البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٢٢٩ - المائدة آية ٣
أَمْيَالٍ،أَتَاهُ جَبْرَئِيلُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)عَلَى خَمْسِ سَاعَاتٍ مَضَتْ مِنَ النَّهَارِ بِالزَّجْرِ وَ الاِنْتِهَارِ وَ الْعِصْمَةِ مِنَ النَّاسِ،فَقَالَ:يَا مُحَمَّدُ،إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يُقْرِئُكَ السَّلاَمَ،وَ يَقُولُ لَكَ: يٰا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ فِي عَلِيٍّ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ وَ اللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّٰاسِ [١]فَكَانَ أَوَّلُهُمْ بَلَغَ قُرْبَ الْجُحْفَةِ فَأَمَرَهُ أَنْ يَرُدَّ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْهُمْ،وَ يَحْبِسَ مَنْ تَأَخَّرَ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ،لِيُقِيمَ عَلِيّاً(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)لِلنَّاسِ،وَ يُبَلِّغَهُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي عَلِيٍّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)وَ أَخْبَرَهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ عَصَمَهُ مِنَ النَّاسِ.
فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)عِنْدَ مَا جَاءَتْهُ الْعِصْمَةُ مُنَادِياً يُنَادِي،فَنَادَى فِي النَّاسِ بِالصَّلاَةِ جَامِعَةً،وَ تَنَحَّى عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ إِلَى جَنْبِ مَسْجِدِ الْغَدِيرِ،أَمَرَهُ بِذَلِكَ جَبْرَئِيلُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)عَنِ اللَّهِ تَعَالَى،وَ فِي الْمَوْضِعِ سَلَمَاتٌ [٢]فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)أَنْ يُقَمَّ مَا تَحْتَهُنَّ،وَ يُنْصَبَ لَهُ أَحْجَارٌ كَهَيْئَةِ الْمِنْبَرِ لِيُشْرِفَ عَلَى النَّاسِ،فَتَرَاجَعَ النَّاسُ وَ احْتَبَسَ أَوَاخِرُهُمْ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ لاَ يَزَالُونَ،وَ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)فَوْقَ تِلْكَ الْأَحْجَارِ،وَ قَالَ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَلاَ بِتَوْحِيدِهِ،وَ دَنَا فِي تَفْرِيدِهِ،وَ جَلَّ فِي سُلْطَانِهِ،وَ عَظُمَ فِي أَرْكَانِهِ،وَ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً وَ هُوَ فِي مَكَانِهِ [٣]،وَ قَهَرَ جَمِيعَ الْخَلْقِ بِقُدْرَتِهِ وَ بُرْهَانِهِ.حَمِيدٌ لَمْ يَزَلْ مَحْمُوداً،وَ لاَ يَزَالُ مَجِيداً،لاَ يَزُولُ مُبْدِئاً وَ مُعِيداً،وَ كُلُّ أَمْرٍ إِلَيْهِ يَعُودُ بَارِئُ الْمَسْمُوكَاتِ،وَ دَاحِي الْمَدْحُوَّاتِ،قُدُّوسٌ سُبُّوحٌ رَبُّ الْمَلاَئِكَةِ وَ الرُّوحِ،مُتَفَضِّلٌ عَلَى جَمِيعِ مَنْ بَرَأَهُ،مُتَطَوِّلٌ عَلَى جَمِيعِ مَنْ ذَرَأَهُ،يَلْحَظُ كُلَّ عَيْنٍ وَ الْعُيُونُ لاَ تَرَاهُ.كَرِيمٌ رَحِيمٌ ذُو أَنَاةٍ،قَدْ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَتُهُ،وَ مَنَّ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ بِنِعْمَتِهِ،لاَ يَعْجَلُ بِانْتِقَامِهِ،وَ لاَ يُبَادِرُ عَلَيْهِمْ بِمَا اسْتَحَقُّوا مِنْ عَذَابِهِ،قَدْ فَهِمَ السَّرَائِرَ،وَ عَلِمَ الضَّمَائِرَ،وَ لَمْ تَخْفَ عَلَيْهِ الْمَكْنُونَاتُ،وَ مَا اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْخَفِيَّاتُ،لَهُ الْإِحَاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ،وَ الْغَلَبَةُ لِكُلِّ شَيْءٍ،وَ الْقُوَّةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ،وَ الْقُدْرَةُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ،لاَ مِثْلَهُ شَيْءٌ،وَ هُوَ مُنْشِئُ الشَّيْءِ حِينَ لاَ شَيْءَ وَ حِينَ لاَ حَيَّ.قَائِمٌ بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ،جَلَّ عَنْ أَنْ تُدْرِكَهُ الْأَبْصَارُ،وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ،وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ، لاَ يَلْحَقُ وَصْفَهُ أَحَدٌ بِمُعَايَنَةٍ وَ لاَ يُحَدُّ،كَيْفَ وَ هُوَ مِنْ سِرٍّ وَ لاَ عَلاَنِيَةٍ،إِلاَّ بِمَا دَلَّ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى نَفْسِهِ.
أَشْهَدُ لَهُ بِأَنَّهُ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ [٤]،الَّذِي أَبْلَى الدَّهْرَ قُدْسُهُ،وَ الَّذِي يُفْنِي [٥] الْأَبَدَ نُورُهُ،وَ الَّذِي يُنْفِذُ أَمْرَهُ بِلاَ مُشَاوَرَةِ [٦] مُشِيرٍ،وَ لاَ مَعَهُ شَرِيكٌ فِي تَقْدِيرٍ،وَ لاَ تَفَاوُتٌ فِي تَدْبِيرٍ،صَوَّرَ مَا ابْتَدَعَ بِلاَ مِثَالٍ،وَ خَلَقَ مَا خَلَقَ بِلاَ مَعُونَةٍ مِنْ أَحَدٍ،وَ لاَ تَكَلُّفٍ وَ لاَ احْتِيَالٍ،أَنْشَأَهَا فَكَانَتْ،وَ بَرَأَهَا فَبَانَتْ،وَ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمُتْقِنُ الصَّنْعَةِ، الْحَسَنُ الصَّنِيعَةِ،الْعَدْلُ الَّذِي لاَ يَجُورُ،وَ الْأَكْرَمُ الَّذِي إِلَيْهِ تَرْجِعُ الْأُمُورُ.
وَ أَشْهَدُ أَنَّهُ اللَّهُ الَّذِي تَوَاضَعَ كُلُّ شَيْءٍ لِعَظَمَتِهِ،وَ ذَلَّ كُلُّ شَيْءٍ لِعِزَّتِهِ،وَ أَسْلَمَ كُلُّ شَيْءٍ لِقُدْرَتِهِ،وَ خَضَعَ كُلُّ
[١] المائدة ٥:٦٧.
[٢] السّلمات:جمع سلمة،شجر من العضاه.«النهاية ٢:٣٩٥».
[٣] زاد في المصدر:يعني أنّ الشيء في مكانه.
[٤] (الذي لا إله إلاّ هو)ليس في المصدر.
[٥] في«ط»:يغشى.
[٦] في المصدر:مشورة.