البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٨٥٤ - التوبة آية ١١٢- ١١١
فَإِنَّمَا هِيَ حُقُوقُ الْمُؤْمِنِينَ رَجَعَتْ إِلَيْهِمْ بَعْدَ ظُلْمِ الْكُفَّارِ إِيَّاهُمْ،فَذَلِكَ قَوْلُهُ: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقٰاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا مَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ أَحَقَّ بِهِ مِنْهُمْ.
وَ إِنَّمَا أُذِنَ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ قَامُوا بِشَرَائِطِ الْإِيمَانِ الَّتِي وَصَفْنَاهَا،وَ ذَلِكَ أَنَّهُ لاَ يَكُونُ مَأْذُوناً لَهُ فِي الْقِتَالِ حَتَّى يَكُونَ مَظْلُوماً،وَ لاَ يَكُونُ مَظْلُوماً حَتَّى يَكُونَ مُؤْمِناً،وَ لاَ يَكُونُ مُؤْمِناً حَتَّى يَكُونَ قَائِماً بِشَرَائِطِ الْإِيمَانِ الَّتِي اشْتَرَطَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُجَاهِدِينَ.فَإِذَا تَكَامَلَتْ فِيهِ شَرَائِطُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ كَانَ مُؤْمِناً،وَ إِذَا كَانَ مُؤْمِناً كَانَ مَظْلُوماً،وَ إِذَا كَانَ مَظْلُوماً كَانَ مَأْذُوناً لَهُ فِي الْجِهَادِ،لِقَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَّ: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقٰاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَ إِنَّ اللّٰهَ عَلىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ وَ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَكْمِلاً لِشَرَائِطِ الْإِيمَانِ فَهُوَ ظَالِمٌ،مِمَّنْ يَنْبَغِي وَ يَجِبُ جِهَادُهُ حَتَّى يَتُوبَ إِلَى اللَّهِ، وَ لَيْسَ مِثْلُهُ مَأْذُوناً لَهُ فِي الْجِهَادِ وَ الدُّعَاءِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ،لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْمَظْلُومِينَ الَّذِينَ أُذِنَ لَهُمْ فِي الْقُرْآنِ فِي الْقِتَالِ.فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقٰاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا فِي الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أَخْرَجَهُمْ [١]أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ دِيَارِهِمْ وَ أَمْوَالِهِمْ،أُحِلَّ لَهُمْ جِهَادُهُمْ بِظُلْمِهِمْ إِيَّاهُمْ،وَ أُذِنَ لَهُمْ فِي الْقِتَالِ».
فَقُلْتُ:فَهَذِهِ نَزَلَتْ فِي الْمُهَاجِرِينَ،بِظُلْمِ مُشْرِكِي أَهْلِ مَكَّةَ لَهُمْ،فَمَا بَالُهُمْ فِي قِتَالِهِمْ كِسْرَى وَ قَيْصَرَ وَ مَنْ دُونَهُمْ مِنْ مُشْرِكِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ؟ فَقَالَ:«لَوْ كَانَ إِنَّمَا أُذِنَ لَهُمْ فِي قِتَالِ مَنْ ظَلَمَهُمْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَقَطْ،لَمْ يَكُنْ لَهُمْ إِلَى قِتَالِ كِسْرَى وَ قَيْصَرَ وَ غَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ سَبِيلٌ،لِأَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوهُمْ غَيْرُهُمْ،وَ إِنَّمَا أُذِنَ لَهُمْ فِي قِتَالِ مَنْ ظَلَمَهُمْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، لِإِخْرَاجِهِمْ إِيَّاهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ وَ أَمْوَالِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ،وَ لَوْ كَانَتِ الْآيَةُ إِنَّمَا عَنَتِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ ظَلَمَهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ، كَانَتِ الْآيَةُ مُرْتَفِعَةَ الْفَرْضِ [٢] عَمَّنْ بَعْدَهُمْ،إِذْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الظَّالِمِينَ وَ الْمَظْلُومِينَ أَحَدٌ،وَ كَانَ فَرْضُهَا مَرْفُوعاً عَنِ النَّاسِ بَعْدَهُمْ إِذْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الظَّالِمِينَ وَ الْمَظْلُومِينَ أَحَدٌ.
وَ لَيْسَ كَمَا ظَنَنْتَ،وَ لاَ كَمَا ذَكَرْتَ،وَ لَكِنَّ الْمُهَاجِرِينَ ظُلِمُوا مِنْ جِهَتَيْنِ:ظَلَمَهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ بِإِخْرَاجِهِمْ مِنْ دِيَارِهِمْ وَ أَمْوَالِهِمْ،فَقَاتَلُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ لَهُمْ فِي ذَلِكَ،وَ ظَلَمَهُمْ كِسْرَى وَ قَيْصَرُ وَ مَنْ كَانَ دُونَهُمْ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ وَ الْعَجَمِ بِمَا كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ مِمَّا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ أَحَقَّ بِهِ دُونَهُمْ [٣]،فَقَدْ قَاتَلُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ لَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَ بِحُجَّةِ هَذِهِ الْآيَةِ يُقَاتِلُ مُؤْمِنُو كُلِّ زَمَانٍ.
وَ إِنَّمَا أَذِنَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِلْمُؤْمِنِينَ،الَّذِينَ قَامُوا بِمَا وَصَفَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنَ الشَّرَائِطِ الَّتِي شَرَطَهَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي الْإِيمَانِ وَ الْجِهَادِ،وَ مَنْ كَانَ قَائِماً بِتِلْكَ الشَّرَائِطِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ،وَ هُوَ مَظْلُومٌ،وَ مَأْذُونٌ لَهُ فِي الْجِهَادِ بِذَلِكَ الْمَعْنَى.وَ مَنْ كَانَ عَلَى خِلاَفِ ذَلِكَ فَهُوَ ظَالِمٌ،وَ لَيْسَ مِنَ الْمَظْلُومِينَ،وَ لَيْسَ بِمَأْذُونٍ لَهُ فِي الْقِتَالِ،وَ لاَ بِالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ،وَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ،لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ،وَ لاَ مَأْذُونٌ لَهُ فِي الدُّعَاءِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ،لِأَنَّهُ لَيْسَ يُجَاهِدُ مِثْلُهُ وَ أُمِرَ بِدُعَائِهِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ،وَ لاَ يَكُونُ مُجَاهِداً مَنْ قَدْ أُمِرَ الْمُؤْمِنُونَ بِجِهَادِهِ،وَ حَظَرَ الْجِهَادَ عَلَيْهِ وَ مَنَعَهُ مِنْهُ،
[١] في«ط»:في المال و الدار و أخرجوهم.
[٢] في«ط»:الغرض.
[٣] في المصدر:منهم.