البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٨٧٢ - التوبة آية ١٢٥- ١٢٤
قُلْتُ:كَيْفَ ذَاكَ؟قَالَ:«لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فَرَضَ الْإِيمَانَ عَلَى جَوَارِحِ ابْنِ آدَمَ،وَ قَسَمَهُ عَلَيْهَا،وَ فَرَّقَهُ فِيهَا، فَلَيْسَ مِنْ جَوَارِحِهِ جَارِحَةٌ إِلاَّ وَ قَدْ وُكِّلَتْ مِنَ الْإِيمَانِ بِغَيْرِ مَا وُكِّلَتْ بِهِ أُخْتُهَا،فَمِنْهَا قَلْبُهُ الَّذِي بِهِ يَعْقِلُ وَ يَفْقَهُ وَ يَفْهَمُ،وَ هُوَ أَمِيرُ بَدَنِهِ الَّذِي لاَ تَرِدُ الْجَوَارِحُ وَ لاَ تَصْدُرُ إِلاَّ عَنْ رَأْيِهِ وَ أَمْرِهِ،وَ مِنْهَا عَيْنَاهُ اللَّتَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا،وَ أُذُنَاهُ اللَّتَانِ يَسْمَعُ بِهِمَا،وَ يَدَاهُ اللَّتَانِ يَبْطِشُ بِهِمَا،وَ رِجْلاَهُ اللَّتَانِ يَمْشِي بِهِمَا،وَ فَرْجُهُ الَّذِي الْبَاهُ مِنْ قِبَلِهِ،وَ لِسَانُهُ الَّذِي يَنْطِقُ بِهِ، وَ رَأْسُهُ الَّذِي فِيهِ وَجْهُهُ.
فَلَيْسَ مِنْ هَذِهِ جَارِحَةٌ إِلاَّ وَ قَدْ وُكِّلَتْ مِنَ الْإِيمَانِ بِغَيْرِ مَا وُكِّلَتْ بِهِ أُخْتُهَا،بِفَرْضٍ مِنَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى اسْمُهُ، يَنْطِقُ بِهِ الْكِتَابُ لَهَا،وَ يَشْهَدُ بِهِ عَلَيْهَا،فَفَرَضَ عَلَى الْقَلْبِ غَيْرَ مَا فَرَضَ عَلَى السَّمْعِ،وَ فَرَضَ عَلَى السَّمْعِ غَيْرَ مَا فَرَضَ عَلَى الْعَيْنَيْنِ،وَ فَرَضَ عَلَى الْعَيْنَيْنِ غَيْرَ مَا فَرَضَ عَلَى اللِّسَانِ،وَ فَرَضَ عَلَى اللِّسَانِ غَيْرَ مَا فَرَضَ عَلَى الْيَدَيْنِ، وَ فَرَضَ عَلَى الْيَدَيْنِ غَيْرَ مَا فَرَضَ عَلَى الرِّجْلَيْنِ،وَ فَرَضَ عَلَى الرِّجْلَيْنِ غَيْرَ مَا فَرَضَ عَلَى الْفَرْجِ،وَ فَرَضَ عَلَى الْفَرْجِ غَيْرَ مَا فَرَضَ عَلَى الْوَجْهِ.
فَأَمَّا مَا فَرَضَ عَلَى الْقَلْبِ مِنَ الْإِيمَانِ فَالْإِقْرَارُ وَ الْمَعْرِفَةُ وَ الْمَحَبَّةُ [١] وَ الرِّضَا وَ التَّسْلِيمُ،بِأَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ،وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ،إِلَهاً وَاحِداً لَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَ لاَ وَلَداً،وَ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،وَ الْإِقْرَارُ بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مِنْ نَبِيٍّ أَوْ كِتَابٍ،فَذَلِكَ مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَى الْقَلْبِ مِنَ الْإِقْرَارِ وَ الْمَعْرِفَةِ،وَ هُوَ عَمَلُهُ،وَ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ:
إِلاّٰ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمٰانِ وَ لٰكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً [٢] ،وَ قَالَ: أَلاٰ بِذِكْرِ اللّٰهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [٣]وَ قَالَ: اَلَّذِينَ قٰالُوا آمَنّٰا بِأَفْوٰاهِهِمْ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ [٤]،وَ قَالَ: وَ إِنْ تُبْدُوا مٰا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحٰاسِبْكُمْ بِهِ اللّٰهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشٰاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشٰاءُ [٥]،فَذَلِكَ مَا فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى الْقَلْبِ مِنَ الْإِقْرَارِ وَ الْمَعْرِفَةِ وَ هُوَ عَمَلُهُ وَ هُوَ رَأْسُ الْإِيمَانِ.
وَ فَرَضَ اللَّهُ عَلَى اللِّسَانِ الْقَوْلَ وَ التَّعْبِيرَ عَنِ الْقَلْبِ بِمَا عَقَدَ عَلَيْهِ وَ أَقَرَّ بِهِ،قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى: وَ قُولُوا لِلنّٰاسِ حُسْناً [٦]،وَ قَالَ: وَ قُولُوا آمَنّٰا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنٰا وَ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَ إِلٰهُنٰا وَ إِلٰهُكُمْ وٰاحِدٌ وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [٧]،فَهَذَا مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَى اللِّسَانِ،وَ هُوَ عَمَلُهُ.
وَ فَرَضَ عَلَى السَّمْعِ أَنْ يَتَنَزَّهَ عَنِ الاِسْتِمَاعِ إِلَى مَا حَرَّمَ اللَّهُ،وَ أَنْ يُعْرِضَ عَمَّا لاَ يَحِلُّ لَهُ مِمَّا نَهَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَنْهُ،وَ الْإِصْغَاءِ إِلَى مَا أَسْخَطَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ،فَقَالَ فِي ذَلِكَ: وَ قَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتٰابِ أَنْ إِذٰا سَمِعْتُمْ آيٰاتِ اللّٰهِ
[١] في المصدر:و العقد،بدل(و المحبة)
[٢] النحل ١٦:١٠٦.
[٣] الرعد ١٣:٢٨.
[٤] المائدة ٥:٤١.
[٥] البقرة ٢:٢٨٤.
[٦] البقرة ٢:٨٣.
[٧] العنكبوت ٢٩:٤٦.