البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٧٨٣ - التوبة آية ٤١- ٤٠
فِرَاشِ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)لِيَفْدِيَهُ بِنَفْسِهِ،وَ وَافَى الْمُشْرِكُونَ الدَّارَ لَيْلاً فَتَسَوَّرُوا عَلَيْهَا وَ دَخَلُوا،وَ قَصَدُوا إِلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،فَوَجَدُوا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)مُضْطَجِعاً فِيهِ،فَضَرَبُوا بِأَيْدِيهِمْ إِلَيْهِ،وَ قَالُوا:يَا ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ،لَمْ يَنْفَعْكَ سِحْرُكَ وَ لاَ كِهَانَتُكَ وَ لاَ خِدْمَةُ الْجَانِّ لَكَ،الْيَوْمَ نَسْقِي أَسْلِحَتَنَا مِنْ دَمِكَ.فَنَفَضَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَيْدِيَهُمْ عَنْهُ،فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَصِلُوا إِلَيْهِ،وَ جَلَسَ فِي الْفِرَاشِ،وَ قَالَ:مَا بَالُكُمْ-يَا مُشْرِكِي قُرَيْشٍ-أَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ! قَالُوا لَهُ:وَ أَيْنَ مُحَمَّدٌ،يَا عَلِيُّ؟قَالَ:حَيْثُ يَشَاءُ اللَّهُ.قَالُوا:وَ مَنْ فِي الدَّارِ؟قَالَ:خَدِيجَةُ.قَالُوا:اَلْحَبِيبَةُ الْكَرِيمَةُ لَوْلاَ تَبَعُّلُهَا بِمُحَمَّدٍ.يَا عَلِيُّ،وَ حَقِّ اللاَّتِ وَ الْعُزَّى لَوْلاَ حُرْمَةُ أَبِيكَ أَبِي طَالِبٍ وَ عِظَمُ مَحَلِّهِ فِي قُرَيْشٍ لَأَعْمَلْنَا أَسْيَافَنَا فِيكَ.
فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):يَا مُشْرِكِي قُرَيْشٍ،أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ،وَ فَالِقِ الْحَبِّ،وَ بَارِئِ النَّسَمَةِ،مَا يَكُونُ إِلاَّ مَا يُرِيدُ اللَّهُ،وَ لَوْ شِئْتُ أَنْ أُفْنِيَ جَمْعَكُمْ،كُنْتُمْ أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ فَرَاشِ السِّرَاجِ،فَلاَ شَيْءَ أَضْعَفُ مِنْهُ.فَتَضَاحَكَ الْقَوْمُ الْمُشْرِكُونَ،وَ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ:خَلُّوا عَلِيّاً لِحُرْمَةِ أَبِيهِ وَ اقْصِدُوا الطَّلَبَ لِمُحَمَّدٍ.
وَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)فِي الْغَارِ،وَ جَبْرَئِيلُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)وَ أَبُو بَكْرٍ مَعَهُ،فَحَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)عَلَى عَلِيٍّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)وَ خَدِيجَةَ فَقَالَ جَبْرَئِيلُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهُ مَعَنَا.ثُمَّ كَشَفَ لَهُ فَرَأَى عَلِيّاً وَ خَدِيجَةَ(عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ) وَ رَأَى سَفِينَةَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)وَ مَنْ مَعَهُ تَعُومُ فِي الْبَحْرِ،فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ،وَ هُوَ الْأَمَانُ مِمَّا خَشِيَهُ عَلَى عَلِيٍّ وَ خَدِيجَةَ،فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ ثٰانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمٰا فِي الْغٰارِ يُرِيدُ جَبْرَئِيلَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) إِذْ يَقُولُ لِصٰاحِبِهِ لاٰ تَحْزَنْ إِنَّ اللّٰهَ مَعَنٰا فَأَنْزَلَ اللّٰهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ الْآيَةَ.وَ لَوْ كَانَ الَّذِي حَزِنَ أَبُو بَكْرٍ لَكَانَ أَحَقَّ بِالْأَمَانِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،لَوْ لَمْ يَحْزَنْ.
ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ:يَا أَبَا بَكْرٍ،إِنِّي أَرَى عَلِيّاً وَ خَدِيجَةَ،وَ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ وَ خِطَابَهُمْ وَ سَفِينَةَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَ مَنْ مَعَهُ تَعُومُ فِي الْبَحْرِ،وَ أَرَى الرَّهْطَ مِنَ الْأَنْصَارِ مُجْلِبِينَ فِي الْمَدِينَةِ.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ:وَ تَرَاهُمْ-يَا رَسُولَ اللَّهِ-فِي[هَذِهِ اللَّيْلَةِ،وَ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ،وَ أَنْتَ فِي]الْغَارِ وَ فِي هَذِهِ الظُّلْمَةِ، وَ مَا بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَكَ مِنْ بُعْدِ الْمَدِينَةِ عَنْ مَكَّةَ؟! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):إِنِّي أُرِيكَ-يَا أَبَا بَكْرٍ-حَتَّى تُصَدِّقَنَّ.وَ مَسَحَ يَدَهُ عَلَى بَصَرِهِ،فَقَالَ:اُنْظُرْ-يَا أَبَا بَكْرٍ-إِلَى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ،وَ إِلَى أَخِي عَلَى الْفِرَاشِ وَ خِطَابِهِ لَهُمْ،وَ خَدِيجَةَ فِي جَانِبِ الدَّارِ،وَ انْظُرْ إِلَى سَفِينَةِ جَعْفَرٍ تَعُومُ فِي الْبَحْرِ.فَنَظَرَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى الْكُلِّ،فَفَزِعَ وَ رَعُبَ،وَ قَالَ:يَا رَسُولَ اللَّهِ،لاَ طَاقَةَ لِي بِالنَّظَرِ إِلَى مَا رَأَيْتُهُ،فَرُدَّ عَلَيَّ غِطَائِي،فَمَسَحَ عَلَى بَصَرِهِ فَحُجِبَ عَمَّا أَرَاهُ رَسُولُ اللَّهِ.
وَ قَصَدَ الْمُشْرِكُونَ فِي الطَّلَبِ لِيَقْفُوا أَثَرَ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)[حَتَّى]جَاءُوا إِلَى بَابِ الْغَارِ،وَ حَجَبَ اللَّهُ عَنْهُمُ النَّاقَةَ وَ لَمْ يَرَوْهَا،وَ قَالُوا:هَذَا أَثَرُ نَاقَةِ مُحَمَّدٍ وَ مَبْرَكُهَا فِي بَابِ الْغَارِ.فَدَخَلُوا فَوَجَدُوا عَلَى بَابِ الْغَارِ نَسْجاً قَدْ أَظَلَّهُ،فَقَالُوا:وَيْحَكُمْ مَا تَرَوْنَ إِلَى نَسْجِ هَذِهِ الْعَنْكَبُوتِ عَلَى بَابِ الْغَارِ،فَكَيْفَ دَخَلَهُ مُحَمَّدٌ؟!فَصَدَّهُمُ اللَّهُ عَنْهُ وَ رَجَعُوا.
وَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)مِنَ الْغَارِ وَ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ،وَ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ فَحَدَّثَ الْمُشْرِكِينَ بِخَبَرِهِ مَعَ