البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٦٤٩ - الأنفال آية ١١- ٢
اللطيمة [١]،العير العير،أدركوا أدركوا،و ما أراكم تدركون،فإن محمّدا و الصباة من أهل يثرب قد خرجوا يتعرضون لعيركم.فخرج ضمضم يبادر إلى مكّة.
و رأت عاتكة بنت عبد المطلب قبل قدوم ضمضم في منامها بثلاثة أيّام كأنّ راكبا قد دخل مكّة،و هو ينادي:
يا آل غالب،يا آل غالب [٢]،اغدوا إلى مصارعكم،صبح ثالث.ثم وافى بجمله على أبي قبيس،فأخذ حجرا فدهدهه من الجبل،فما ترك دارا من دور قريش إلاّ أصابه منه فلذة،و كان وادي مكّة قد سال من أسفله دما، فانتبهت ذعرة،فأخبرت العبّاس بذلك،فأخبر العبّاس عتبة بن ربيعة،فقال عتبة:هذه مصيبة تحدث في قريش.
و فشت الرؤيا في قريش،و بلغ ذلك أبا جهل،فقال:ما رأت عاتكة هذه الرؤيا،و هذه نبيه ثانية في بني عبد المطلب،و اللات و العزى لننتظرن ثلاثة أيام،فإن كان ما رأت حقا فهو كما رأت،و إن كان غير ذلك لنكتبن بيننا كتابا أنّه ما من أهل بيت من العرب أكذب رجالا و لا نساء من بني هاشم.فلما مضى يوم،قال أبو جهل:هذا يوم قد مضى.فلما كان اليوم الثاني،قال أبو جهل:هذان يومان قد مضيا،فلما كان اليوم الثالث،وافى ضمضم ينادي في الوادي:يا آل غالب،يا آل غالب،اللطيمة اللطيمة،العير العير،أدركوا،أدركوا،و ما أراكم تدركون،فإن محمّدا و الصباة من أهل يثرب قد خرجوا يتعرضون لعيركم التي فيها خزائنكم.
فتصايح الناس بمكّة و تهيأوا للخروج،و قام سهيل بن عمرو و صفوان بن أميّة و أبو البختري بن هشام و منبه و نبيه ابنا الحجاج،و نوفل بن خويلد،فقالوا:يا معاشر قريش،و اللّه ما أصابكم مصيبة أعظم من هذه،أن يطمع محمّد و الصباة من أهل يثرب أن يتعرضوا لعيركم التي فيها خزائنكم،فو اللّه ما قرشي و لا قرشية إلاّ و لها في هذا العير نش [٣] فصاعدا،و إن هو إلاّ الذل و الصغار أن يطمع محمّد في أموالكم،و يفرق بينكم و بين متجركم، فاخرجوا.
و أخرج صفوان بن أميّة خمس مائة دينار و جهز بها،و أخرج سهيل بن عمرو[خمس مائة]،و ما بقي أحد من عظماء قريش إلاّ أخرجوا مالا،و حملوا و وقروا،و أخرجوا على الصعبة و الذلول،لا يملكون أنفسهم،كما قال اللّه تعالى: خَرَجُوا مِنْ دِيٰارِهِمْ بَطَراً وَ رِئٰاءَ النّٰاسِ [٤]و خرج معهم العبّاس بن عبد المطلب و نوفل بن الحارث و عقيل بن أبي طالب،و أخرجوا معهم القيان [٥]،يشربون الخمر و يضربون بالدفوف.
و خرج رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله)في ثلاث مائة و ثلاثة عشر رجلا،فلما كان بقرب بدر على ليلة منها بعث عدي بن أبي الزغباء و بسبس بن عمرو يتجسسان خبر العير،فأتيا ماء بدر و أناخا راحلتيهما،و استعذبا من الماء، و سمعا جاريتين قد تشبثت إحداهما بالأخرى تطالبها بدرهم كان لها عليها،فقالت:عير قريش نزلت أمس في
[١] اللطيمة:العير التي تحمل الطيب و بزّ التجّار،و منه:يا قوم اللطيمة اللطيمة،أي أدركوها«أقرب الموارد-لطم-٢:١١٤٥».
[٢] في المصدر:يا آل عذر،يا آل فهر.
[٣] النّش:نصف أوقيّة،و يعادل عشرين درهما.«الصحاح-نشش-٣:١٠٢١»،و في المصدر:شيء.
[٤] الأنفال ٨:٤٧.
[٥] القيان:جمع قينة:الأمة مغنّية كانت أو غير مغنّية.«الصحاح-قين-٦:٢١٨٦».