البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٧٦٦ - التوبة آية ٣٠
ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْفَرِيقِ الثَّانِي،فَقَالَ لَهُمْ:أَخْبِرُونَا عَنْكُمْ إِذَا عَبَدْتُمْ صُوَرَ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَسَجَدْتُمْ لَهَا وَ صَلَّيْتُمْ، وَ وَضَعْتُمُ الْوُجُوهَ الْكَرِيمَةَ عَلَى التُّرَابِ،فَمَا الَّذِي أَبْقَيْتُمْ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ؟أَ مَا عَلِمْتُمْ أَنَّ مِنْ حَقِّ مَنْ يَلْزَمُ تَعْظِيمُهُ وَ عِبَادَتُهُ أَنْ لاَ يُسَاوَى بِهِ عَبْدُهُ؟أَ رَأَيْتُمْ مَلِكاً عَظِيماً إِذَا سَاوَيْتُمُوهُ بِعَبِيدِهِ فِي التَّعْظِيمِ وَ الْخُشُوعِ وَ الْخُضُوعِ أَ يَكُونُ فِي ذَلِكَ وَضْعٌ لِلْكَبِيرِ كَمَا يَكُونُ زِيَادَةٌ فِي تَعْظِيمِ الصَّغِيرِ؟فَقَالُوا:نَعَمْ.فَقَالَ:أَ فَلاَ تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ مِنْ حَيْثُ تُعَظِّمُونَ اللَّهَ بِتَعْظِيمِ صُوَرِ عِبَادِهِ الْمُطِيعِينَ لَهُ تَزِرُونَ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ؟فَسَكَتَ الْقَوْمُ بَعْدَ أَنْ قَالُوا:سَنَنْظُرُ فِي أُمُورِنَا.
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)لِلْفَرِيقِ الثَّالِثِ:لَقَدْ ضَرَبْتُمْ لَنَا مَثَلاً وَ شَبَّهْتُمُونَا بِأَنْفُسِكُمْ وَ لَسْنَا سَوَاءً،وَ ذَلِكَ أَنَّا عِبَادُ اللَّهِ مَخْلُوقُونَ مَرْبُوبُونَ نَأْتَمِرُ لَهُ فِيمَا أَمَرَنَا،وَ نَنْزَجِرُ عَمَّا زَجَرَنَا،وَ نَعْبُدُهُ مِنْ حَيْثُ يُرِيدُ مِنَّا،فَإِذَا أُمِرْنَا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ أَطَعْنَاهُ وَ لَمْ نَتَعَدَّ إِلَى غَيْرِهِ مِمَّا لَمْ يَأْمُرْنَا،وَ لَمْ يَأْذَنْ لَنَا،لِأَنَّا لاَ نَدْرِي لَعَلَّهُ أَرَادَ مِنَّا الْأَوَّلَ وَ هُوَ يَكْرَهُ الثَّانِيَ،وَ قَدْ نَهَانَا أَنْ نَتَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ.فَلَمَّا أَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَهُ بِالتَّوَجُّهِ إِلَى الْكَعْبَةِ أَطَعْنَا،ثُمَّ أَمَرَنَا بِعِبَادَتِهِ بِالتَّوَجُّهِ نَحْوَهَا فِي سَائِرِ الْبُلْدَانِ الَّتِي نَكُونُ بِهَا فَأَطَعْنَا،فَلَمْ نَخْرُجْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مِنِ اتِّبَاعِ أَمْرِهِ،وَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ حَيْثُ أَمَرَ بِالسُّجُودِ لآِدَمَ لَمْ يَأْمُرْ بِالسُّجُودِ لِصُورَتِهِ الَّتِي هِيَ غَيْرُهُ،فَلَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَقِيسُوا ذَلِكَ عَلَيْهِ،لِأَنَّكُمْ لاَ تَدْرُونَ لَعَلَّهُ يَكْرَهُ مَا تَفْعَلُونَ،إِذْ لَمْ يَأْمُرْكُمْ بِهِ.
ثُمَّ قَالَ:لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَمَرَكُمْ رَجُلٌ بِدُخُولِ [١] دَارِهِ يَوْماً بِعَيْنِهِ،أَ لَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوهَا بَعْدَ ذَلِكَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ؟وَ لَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا دَاراً لَهُ أُخْرَى مِثْلَهَا بِغَيْرِ أَمْرِهِ؟أَوْ وَهَبَ لَكُمْ رَجُلٌ ثَوْباً مِنْ ثِيَابِهِ،أَوْ عَبْداً مِنْ عَبِيدِهِ،أَوْ دَابَّةً مِنْ دَوَابِّهِ،أَ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا ذَلِكَ؟قَالُوا:نَعَمْ.قَالَ:فَإِنْ لَمْ تَجِدُوهُ أَخَذْتُمْ آخَرَ مِثْلَهُ؟قَالُوا:لاَ،لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَنَا فِي الثَّانِي كَمَا أَذِنَ لَنَا فِي الْأَوَّلِ.
قَالَ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):فَأَخْبِرُونِي،اللَّهُ تَعَالَى أَوْلَى بِأَنْ لاَ يُتَقَدَّمَ عَلَى مُلْكِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ أَوْ بَعْضُ الْمَمْلُوكِينَ؟قَالُوا:
بَلِ اللَّهُ أَوْلَى بِأَنْ لاَ يُتَصَرَّفَ فِي مُلْكِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ وَ إِذْنِهِ.قَالَ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):فَلِمَ فَعَلْتُمْ،وَ مَنْ [٢] أَمَرَكُمْ أَنْ تَسْجُدُوا لِهَذِهِ الصُّوَرِ؟قَالَ:فَقَالَ الْقَوْمُ:سَنَنْظُرُ فِي أُمُورِنَا ثُمَّ سَكَتُوا.
قَالَ الصَّادِقُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):فَوَ الَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ نَبِيّاً مَا أَتَتْ عَلَى جَمَاعَتِهِمْ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ حَتَّى أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)فَأَسْلَمُوا،وَ كَانُوا خَمْسَةً وَ عِشْرِينَ رَجُلاً،مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ خَمْسَةٌ،وَ قَالُوا:مَا رَأَيْنَا مِثْلَ حُجَّتِكَ-يَا مُحَمَّدُ-نَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ.
وَ قَالَ الصَّادِقُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):فَأَنْزَلَ اللَّهُ: اَلْحَمْدُ لِلّٰهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ وَ جَعَلَ الظُّلُمٰاتِ وَ النُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [٣]فَكَانَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ رَدٌّ عَلَى ثَلاَثَةِ أَصْنَافٍ مِنْهُمْ:لَمَّا قَالَ: اَلْحَمْدُ لِلّٰهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ فَكَانَ رَدّاً عَلَى الدَّهْرِيَّةِ الَّذِينَ قَالُوا:إِنَّ الْأَشْيَاءَ لاَ بَدْءَ لَهَا وَ هِيَ دَائِمَةٌ.ثُمَّ قَالَ: وَ جَعَلَ الظُّلُمٰاتِ وَ النُّورَ فَكَانَ رَدّاً عَلَى الثَّنَوِيَّةِ الَّذِينَ قَالُوا:إِنَّ النُّورَ وَ الظُّلْمَةَ هُمَا الْمُدَبِّرَانِ.ثُمَّ
[١] في المصدر:لو أذن لكم رجل دخول.
[٢] في المصدر:و متى.
[٣] الأنعام ٦:١.