البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٢٢٠ - المائدة آية ٣
شَجَرٍ،حَرَّمَ اللَّهُ ذَلِكَ كَمَا حَرَّمَ الْمَيْتَةَ وَ الدَّمَ وَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بٰاغٍ وَ لاٰ عٰادٍ فَلاٰ إِثْمَ عَلَيْهِ [١]أَنْ يَأْكُلَ الْمَيْتَةَ».
قَالَ:فَقُلْتُ لَهُ:يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ،مَتَى تَحِلُّ لِلْمُضْطَرِّ الْمَيْتَةُ؟قَالَ:«حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ،عَنْ آبَائِهِ(عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ):
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)سُئِلَ،فَقِيلَ لَهُ:يَا رَسُولَ اللَّهِ،إِنَّا نَكُونُ بِأَرْضٍ فَتُصِيبُنَا الْمَخْمَصَةُ،فَمَتَى تَحِلُّ لَنَا الْمَيْتَةُ؟ قَالَ:مَا لَمْ تَصْطَبِحُوا،أَوْ تَغْتَبِقُوا،أَوْ تَحْتَفُّوا بَقْلاً [٢] فَشَأْنَكُمْ بِهَذَا».
قَالَ عَبْدُ الْعَظِيمِ:فَقُلْتُ لَهُ:يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ،فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَّ: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بٰاغٍ وَ لاٰ عٰادٍ [٣]؟ قَالَ:«الْعَادِي:اَلسَّارِقُ،وَ الْبَاغِي:اَلَّذِي يَبْغِي الصَّيْدَ بَطَراً وَ لَهْواً لاَ لِيَعُودَ بِهِ عَلَى عِيَالِهِ،وَ لَيْسَ لَهُمَا أَنْ يَأْكُلاَ الْمَيْتَةَ إِذَا اضْطُرَّا،هِيَ حَرَامٌ عَلَيْهِمَا فِي حَالِ الاِضْطِرَارِ كَمَا هِيَ حَرَامٌ عَلَيْهِمَا فِي حَالِ الاِخْتِيَارِ،وَ لَيْسَ لَهُمَا أَنْ يُقَصِّرَا فِي صَوْمٍ وَ لاَ صَلاَةٍ فِي سَفَرٍ».
قَالَ:فَقُلْتُ لَهُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَ الْمُنْخَنِقَةُ وَ الْمَوْقُوذَةُ وَ الْمُتَرَدِّيَةُ وَ النَّطِيحَةُ وَ مٰا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاّٰ مٰا ذَكَّيْتُمْ ؟ قَالَ:«الْمُنْخَنِقَةُ:اَلَّتِي انْخَنَقَتْ بِأَخْنَاقِهَا حَتَّى تَمُوتَ،وَ الْمَوْقُوذَةُ:اَلَّتِي مَرِضَتْ وَ وَقَذَهَا [٤] الْمَرَضُ حَتَّى لَمْ تَكُنْ بِهَا حَرَكَةٌ،وَ الْمُتَرَدِّيَةُ:اَلَّتِي تَتَرَدَّى مِنْ مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ إِلَى أَسْفَلَ،أَوْ تَتَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ،أَوْ فِي بِئْرٍ فَتَمُوتُ،وَ النَّطِيحَةُ:اَلَّتِي تَنْطَحُهَا بَهِيمَةٌ أُخْرَى فَتَمُوتُ،وَ مَا أَكَلَ السَّبُعُ مِنْهُ فَمَاتَ،وَ مَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ:عَلَى حَجَرٍ أَوْ صَنَمٍ إِلاَّ مَا أُدْرِكَتْ ذَكَاتُهُ فَذُكِّيَ».
قُلْتُ: وَ أَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلاٰمِ ؟قَالَ:«كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَشْتَرُونَ بَعِيراً فِيمَا بَيْنَ عَشَرَةِ أَنْفُسٍ وَ يَسْتَقْسِمُونَ عَلَيْهِ بِالْقِدَاحِ،وَ كَانَتْ عَشَرَةً:سَبْعَةٌ لَهَا أَنْصِبَاءُ [٥]،وَ ثَلاَثَةٌ لاَ أَنْصِبَاءَ لَهَا،أَمَّا الَّتِي لَهَا أَنْصِبَاءُ:فَالْفَذُّ، وَ التَّوْأَمُ،وَ النَّافِسُ،وَ الْحِلْسُ،وَ الْمُسْبِلُ،وَ الْمُعَلَّى،وَ الرَّقِيبُ.وَ أَمَّا الَّتِي لاَ أَنْصِبَاءَ لَهَا:فَالسَّفِيحُ [٦]،وَ الْمَنِيحُ،وَ الْوَعْدُ.
وَ كَانُوا يُجِيلُونَ السِّهَامَ بَيْنَ عَشَرَةٍ،فَمَنْ خَرَجَ مِنْهَا بِاسْمِهِ سَهْمٌ مِنَ الَّتِي لاَ أَنْصِبَاءَ لَهَا أُلْزِمَ ثُلُثَ ثَمَنِ الْبَعِيرِ،فَلاَ
[١] البقرة ٢:١٧٣.
[٢] الاصطباح هنا:أكل الصّبوح و هو الغداء،و الغبوق:العشاء.و أصلهما في الشّرب ثمّ استعملا في الأكل،أي:ليس لكم أن تجمعوهما من الميتة. قال الأزهريّ:قد أنكر هذا على أبي عبيد،و فسّر أنّه أراد إذا لم تجدوا لبينة تصطحبونها أو شرابا تغتبقونه،و لم تجدوا بعد عدّمكم الصبوح و الغبوق بقلة تأكلونها حلّت لكم الميتة.و قال:هذا هو الصحيح.«النهاية ٣:٦». و قال العلاّمة المجلسي في شرح هذا الحديث:يمكن أن يكون المراد ما لم تأكلوا على عادة الاصطباح و الاغتباق،بأن تأكلوا تملّيا و تشبعوا منها.و قوله:«أو تحتفوا بقلا»أي:تستأصلوها و تأكلوها جميعا،بأن يكون احتفاء البقل كناية عن استئصالها،فإنّ مثل هذا التعبير شائع في عرفنا على سبيل التمثيل فلعلّه كان في عرفهم أيضا كذلك.و في بعض نسخ الكتاب:«تحتقبوا»بالحاء المهملة و القاف و الباء الموحدة. فالمراد:الادّخار،أي ما لم يكن معكم بقل ادّخرتموه.«ملاذ الأخبار ١٤:٢٩٣-٢٩٤».
[٣] البقرة ٢:١٧٣.
[٤] وقذها:غلبها.
[٥] الأنصباء:جمع نصيب،الحظّ من كلّ شيء.و قيل:الأنصباء:العلائم.
[٦] في المصدر:فالسفح.