البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٨١١ - التوبة آية ٦٦- ٦٤
شِيعَتِنَا وَ سَائِرَ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ شِيعَتِنَا أَنْ يَسْجُدُوا لِمَنْ تَوَسَّطَ فِي عُلُومِ عَلِيٍّ وَصِيِّ رَسُولِ اللَّهِ،وَ مَحَّضَ وِدَادَ [١] خَيْرِ خَلْقِ اللَّهِ عَلِيٍّ بَعْدَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ،وَ احْتَمَلَ الْمَكَارِهَ وَ الْبَلاَيَا فِي التَّصْرِيحِ بِإِظْهَارِ حُقُوقِ اللَّهِ،وَ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيَّ حَقّاً أَرْقُبُهُ [٢] عَلَيْهِ قَدْ كَانَ جَهِلَهُ أَوْ أَغْفَلَهُ.
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):عَصَى اللَّهَ إِبْلِيسُ فَهَلَكَ لِمَا كَانَتْ مَعْصِيَتُهُ بِالْكِبْرِ عَلَى آدَمَ،وَ عَصَى اللَّهَ آدَمُ بِأَكْلِ الشَّجَرَةِ فَسَلِمَ وَ لَمْ يَهْلِكْ لِمَا لَمْ يُقَارِنْ بِمَعْصِيَتِهِ التَّكَبُّرَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ الطَّيِّبِينَ،وَ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لَهُ:يَا آدَمُ،عَصَانِي فِيكَ إِبْلِيسُ وَ تَكَبَّرَ عَلَيْكَ فَهَلَكَ،وَ لَوْ تَوَاضَعَ لَكَ بِأَمْرِي،وَ عَظَّمَ عِزَّ جَلاَلِي لَأَفْلَحَ كُلَّ الْفَلاَحِ كَمَا أَفْلَحْتَ،وَ أَنْتَ عَصَيْتَنِي بِأَكْلِ الشَّجَرَةِ،وَ بِالتَّوَاضُعِ لِمُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ تُفْلِحُ كُلَّ الْفَلاَحِ،وَ تَزُولُ عَنْكَ وَصْمَةُ الزَّلَّةِ [٣]،فَادْعُنِي بِمُحَمَّدٍ وَ آلِهِ الطَّيِّبِينَ لِذَلِكَ.فَدَعَا بِهِمْ فَأَفْلَحَ كُلَّ الْفَلاَحِ لِمَا تَمَسَّكَ بِعُرْوَتِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ.
ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)أَمَرَ بِالرَّحِيلِ فِي أَوَّلِ نِصْفِ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ،وَ أَمَرَ مُنَادِيَهُ فَنَادَى:أَلاَ لاَ يَسْبِقَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَحَدٌ إِلَى الْعَقَبَةِ،وَ لاَ يَطَأُهَا حَتَّى يُجَاوِزَهَا رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ).ثُمَّ أَمَرَ حُذَيْفَةَ أَنْ يَقْعُدَ فِي أَصْلِ الْعَقَبَةِ،فَيَنْظُرَ مَنْ يَمُرُّ بِهِ،وَ يُخْبِرَ رَسُولَ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،وَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)أَمَرَهُ أَنْ يَسْتَتِرَ [٤] بِحَجَرٍ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ:يَا رَسُولَ اللَّهِ،إِنِّي أَتَبَيَّنُ الشَّرَّ فِي وُجُوهِ رُؤَسَاءِ عَسْكَرِكَ،وَ إِنِّي أَخَافُ إِنْ قَعَدْتُ فِي أَصْلِ الْجَبَلِ وَ جَاءَ مِنْهُمْ مَنْ أَخَافُ أَنْ يَتَقَدَّمَكَ إِلَى هُنَاكَ لِلتَّدْبِيرِ عَلَيْكَ يُحِسُّ بِي،فَيَكْشِفُ عَنِّي فَيَعْرِفُنِي وَ مَوْضِعِي مِنْ نَصِيحَتِكَ فَيَتَّهِمُنِي وَ يَخَافُنِي فَيَقْتُلُنِي.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):إِنَّكَ إِذَا بَلَغْتَ أَصْلَ الْعَقَبَةِ فَاقْصِدْ أَكْبَرَ صَخْرَةٍ هُنَاكَ إِلَى جَانِبِ أَصْلِ الْعَقَبَةِ، وَ قُلْ لَهَا:إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ يَأْمُرُكَ أَنْ تَنْفَرِجِي حَتَّى أَدْخُلَ جَوْفَكِ،ثُمَّ يَأْمُرُكِ أَنْ تَثْقُبَ فِيكِ ثُقْبَةً أُبْصِرُ مِنْهَا الْمَارِّينَ، وَ يَدْخُلَ عَلَيَّ مِنْهَا الرَّوْحُ لِئَلاَّ أَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ.فَإِنَّهَا تَصِيرُ إِلَى مَا تَقُولُ لَهَا بِإِذْنِ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
فَأَدَّى حُذَيْفَةُ الرِّسَالَةَ،وَ دَخَلَ جَوْفَ الصَّخْرَةِ،وَ جَاءَ الْأَرْبَعَةُ وَ الْعِشْرُونَ عَلَى جِمَالِهِمْ،وَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ رَجَّالَتُهُمْ،يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ:مَنْ رَأَيْتُمُوهُ هَاهُنَا كَائِناً مَا كَانَ فَاقْتُلُوهُ،لِئَلاَّ يُخْبِرُوا مُحَمَّداً أَنَّهُمْ قَدْ رَأَوْنَا هَاهُنَا فَيَنْكُصَ مُحَمَّدٌ،وَ لاَ يَصْعَدَ هَذِهِ الْعَقَبَةَ إِلاَّ نَهَاراً،فَيَبْطُلَ تَدْبِيرُنَا عَلَيْهِ.فَسَمِعَهَا حُذَيْفَةُ،وَ اسْتَقْصَوْا فَلَمْ يَجِدُوا أَحَداً.
وَ كَانَ اللَّهُ قَدْ سَتَرَ حُذَيْفَةَ بِالْحَجَرِ عَنْهُمْ فَتَفَرَّقُوا،فَبَعْضُهُمْ صَعِدَ عَلَى الْجَبَلِ وَ عَدَلَ عَنِ الطَّرِيقِ الْمَسْلُوكِ،وَ بَعْضُهُمْ وَقَفَ عَلَى سَفْحِ الْجَبَلِ عَنْ يَمِينٍ وَ شِمَالٍ،وَ هُمْ يَقُولُونَ:أَ لاَ تَرَوْنَ حَيْنَ [٥] مُحَمَّدٍ كَيْفَ أَغْرَاهُ بِأَنْ يَمْنَعَ النَّاسَ مِنْ صُعُودِ الْعَقَبَةِ حَتَّى يَقْطَعَهَا هُوَ،لِنَخْلُوَ بِهِ هَاهُنَا،فَنُمْضِيَ فِيهِ تَدْبِيرَنَا وَ أَصْحَابُهُ عَنْهُ بِمَعْزِلٍ؟وَ كُلُّ ذَلِكَ يُوصِلُهُ اللَّهُ مِنْ قَرِيبٍ أَوْ بَعِيدٍ إِلَى أُذُنِ حُذَيْفَةَ،وَ يَعِيهِ.
[١] محض الودّ:أخلصه.«مجمع البحرين-محض-٤:٢٢٩».
[٢] رقبت الشيء:رصدته و انتظرته،و المراد هنا:أرصده له و انتظر رعايته منه.«الصحاح-رقب-١:١٣٧».
[٣] في المصدر:الذلّة.
[٤] في«س»:يتشبه،و في«ط»:يتشبث.
[٥] حينه:أجله.«مجمع البحرين-حين-٦:٢٤٠».