البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٨١٢ - التوبة آية ٦٦- ٦٤
فَلَمَّا تَمَكَّنَ الْقَوْمُ عَلَى الْجَبَلِ حَيْثُ أَرَادُوا كَلَّمَتِ الصَّخْرَةُ حُذَيْفَةَ،وَ قَالَتْ:اِنْطَلِقِ الْآنَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)فَأَخْبِرْهُ بِمَا رَأَيْتَ وَ مَا سَمِعْتَ.قَالَ حُذَيْفَةُ:كَيْفَ أَخْرُجُ عَنْكَ،وَ إِنْ رَآنِي الْقَوْمُ قَتَلُونِي مَخَافَةً عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنْ نَمِيمَتِي عَلَيْهِمْ؟قَالَتِ الصَّخْرَةُ:إِنَّ الَّذِي أَمْكَنَكَ مِنْ جَوْفِي وَ أَوْصَلَ إِلَيْكَ الرَّوْحَ مِنَ الثُّقْبَةِ الَّتِي أَحْدَثَهَا فِيَّ هُوَ الَّذِي يُوصِلُكَ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ وَ يُنْقِذُكَ مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ.فَنَهَضَ حُذَيْفَةُ لِيَخْرُجَ،فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ،فَحَوَّلَهُ اللَّهُ طَائِراً فَطَارَ فِي الْهَوَاءِ مُحَلِّقاً حَتَّى انْقَضَّ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،ثُمَّ أُعِيدَ إِلَى صُورَتِهِ،فَأَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)بِمَا رَأَى وَ سَمِعَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):أَ وَ عَرَفْتَهُمْ بِوُجُوهِهِمْ؟ فَقَالَ:يَا رَسُولَ اللَّهِ،كَانُوا مُتَلَثِّمِينَ وَ كُنْتُ أَعْرِفُ أَكْثَرَهُمْ بِجِمَالِهِمْ،فَلَمَّا فَتَّشُوا الْمَوْضِعَ فَلَمْ يَجِدُوا أَحَداً أَحْدَرُوا اللِّثَامَ فَرَأَيْتُ وُجُوهَهُمْ وَ عَرَفْتُهُمْ بِأَعْيَانِهِمْ وَ أَسْمَائِهِمْ،فُلاَنٌ وَ فُلاَنٌ حَتَّى عَدَّ أَرْبَعَةً وَ عِشْرِينَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):يَا حُذَيْفَةُ،إِذَا كَانَ اللَّهُ تَعَالَى يُثَبِّتُ مُحَمَّداً،لَمْ يَقْدِرْ هَؤُلاَءِ وَ لاَ الْخَلْقُ أَجْمَعُونَ أَنْ يُزِيلُوهُ،إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَالِغٌ فِي مُحَمَّدٍ أَمْرَهُ وَ لَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ.ثُمَّ قَالَ:يَا حُذَيْفَةُ،فَانْهَضْ بِنَا أَنْتَ وَ سَلْمَانُ وَ عَمَّارٌ، وَ تَوَكَّلُوا عَلَى اللَّهِ،فَإِذَا جُزْنَا الثَّنِيَّةَ الصَّعْبَةَ فَأْذَنُوا لِلنَّاسِ أَنْ يَتْبَعُونَا.
فَصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)عَلَى نَاقَتِهِ وَ حُذَيْفَةُ وَ سَلْمَانُ أَحَدُهُمَا آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَتِهِ يَقُودُهَا،وَ الْآخَرُ خَلْفَهَا يَسُوقُهَا،وَ عَمَّارٌ إِلَى جَانِبِهَا،وَ الْقَوْمُ عَلَى جِمَالِهِمْ وَ رَجَّالَتُهُمْ مُنْبَثُّونَ حَوَالَيِ الثَّنِيَّةِ عَلَى تِلْكَ الْعَقَبَاتِ،وَ قَدْ جَعَلَ الَّذِينَ فَوْقَ الطَّرِيقِ حِجَارَةً فِي دِبَابٍ فَدَحْرَجُوهَا مِنْ فَوْقٍ لِيُنَفِّرُوا النَّاقَةَ بِرَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،وَ تَقَعَ بِهِ فِي الْمَهْوَى الَّذِي يَهُولُ النَّاظِرَ النَّظَرُ إِلَيْهِ مِنْ بُعْدِهِ،فَلَمَّا قَرُبَتِ الدِّبَابُ مِنْ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى لَهَا،فَارْتَفَعَتْ ارْتِفَاعاً عَظِيماً،فَجَاوَزَتْ نَاقَةَ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)ثُمَّ سَقَطَتْ فِي جَانِبِ الْمَهْوَى،وَ لَمْ يَبْقَ مِنْهَا شَيْءٌ إِلاَّ صَارَ كَذَلِكَ،وَ نَاقَةُ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)كَأَنَّهَا لاَ تُحِسُّ بِشَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْقَعْقَعَاتِ [١] الَّتِي كَانَتْ لِلدِّبَابِ.
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)لِعَمَّارٍ:اِصْعَدِ الْجَبَلَ،فَاضْرِبْ بِعَصَاكَ هَذِهِ وُجُوهَ رَوَاحِلِهِمْ فَارْمِ بِهَا.فَفَعَلَ ذَلِكَ عَمَّارٌ،فَنَفَرَتْ بِهِمْ،وَ سَقَطَ بَعْضُهُمْ فَانْكَسَرَ عَضُدُهُ،وَ منه [مِنْهُمْ] مَنِ انْكَسَرَتْ رِجْلُهُ،وَ مِنْهُمْ مَنِ انْكَسَرَ جَنْبُهُ، وَ اشْتَدَّتْ لِذَلِكَ أَوْجَاعُهُمْ،فَلَمَّا جُبِرَتْ وَ انْدَمَلَتْ بَقِيَتْ عَلَيْهِمْ آثَارُ الْكَسْرِ إِلَى أَنْ مَاتُوا،وَ لِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)فِي حُذَيْفَةَ وَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):إِنَّهُمَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِالْمُنَافِقِينَ،لِقُعُودِهِ فِي أَصْلِ الْعَقَبَةِ وَ مُشَاهَدَتِهِ مَنْ مَرَّ سَابِقاً لِرَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)وَ كَفَى اللَّهُ رَسُولَهُ أَمْرَ مَنْ قَصَدَ لَهُ،وَ عَادَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إِلَى الْمَدِينَةِ،فَكَسَا اللَّهُ الذُّلَّ وَ الْعَارَ مَنْ كَانَ قَدْ قَعَدَ عَنْهُ،وَ أَلْبَسَ الْخِزْيَ مَنْ كَانَ دَبَّرَ عَلَى عَلِيٍّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)مَا دَفَعَ اللَّهُ عَنْهُ».
و سيأتي عن قريب-إن شاء اللّه تعالى-ذكر من كان على العقبة من طريق الخاصّة و العامّة،في قوله تعالى:
[١] القعقعة:تتابع الصوت في شدّة.«لسان العرب-قعع-٨:٢٨٧».