البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٦٥٦ - الأنفال آية ١١- ٢
قَالَ:وَ حَمَلَ جَبْرَئِيلُ عَلَى إِبْلِيسَ فَطَلَبَهُ حَتَّى غَاصَ فِي الْبَحْرِ،وَ قَالَ:يَا رَبِّ،أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي مِنَ الْبَقَاءِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
رُوِيَ فِي الْخَبَرِ:أَنَّ إِبْلِيسَ الْتَفَتَ إِلَى جَبْرَئِيلَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)وَ هُوَ فِي الْهَزِيمَةِ،فَقَالَ:يَا هَذَا،أَ بَدَا لَكُمْ فِيمَا أَعْطَيْتُمُونَا؟فَقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):أَ تَرَى كَانَ يَخَافُ أَنْ يَقْتُلَهُ؟فَقَالَ:«لاَ،وَ لَكِنَّهُ كَانَ يَضْرِبُهُ ضَرْبَةً يَشِينُهُ مِنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».
وَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلاٰئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنٰاقِ وَ اضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنٰانٍ [١]قَالَ:أَطْرَافَ الْأَصَابِعِ،فَقَدْ جَاءَتْ قُرَيْشٌ بِخُيَلاَئِهَا وَ فَخْرِهَا تُرِيدُ أَنْ تُطْفِئَ نُورَ اللَّهِ،وَ يَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ،وَ خَرَجَ أَبُو جَهْلٍ مِنْ بَيْنِ الصَّفَّيْنِ، وَ قَالَ:اَللَّهُمَّ،إِنَّ مُحَمَّداً أَقْطَعُنَا لِلرَّحِمِ،وَ آتَانَا بِمَا لاَ نَعْرِفُهُ فَأَحِنْهُ [٢] الْغَدَاةَ،فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جٰاءَكُمُ الْفَتْحُ وَ إِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ إِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَ لَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَ لَوْ كَثُرَتْ وَ أَنَّ اللّٰهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ [٣].
ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)كَفّاً مِنْ حَصًى وَ رَمَى بِهِ فِي وُجُوهِ قُرَيْشٍ،وَ قَالَ:«شَاهَتِ الْوُجُوهُ»فَبَعَثَ اللَّهُ رِيَاحاً تُضْرَبُ فِي وُجُوهِ قُرَيْشٍ،فَكَانَتِ الْهَزِيمَةُ.فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):«اللَّهُمَّ لاَ يُفْلِتَنَّ فِرْعَوْنُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ،فَقُتِلَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ وَ أُسِرَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ،وَ الْتَقَى عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ مَعَ أَبِي جَهْلٍ،فَضَرَبَ عَمْرٌو أَبَا جَهْلِ عَلَى فَخِذِهِ [٤]،وَ ضَرَبَ أَبُو جَهْلٍ عَمْراً عَلَى يَدِهِ،فَأَبَانَهَا مِنَ الْعَضُدِ،فَتَعَلَّقَتْ بِجِلْدَةٍ فَاتَّكَأَ عَمْرٌو عَلَى يَدِهِ بِرِجْلِهِ،ثُمَّ نَزَا فِي السَّمَاءِ حَتَّى انْقَطَعَتِ الْجِلْدَةُ،وَ رَمَى بِيَدِهِ.
وَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ:اِنْتَهَيْتُ إِلَى أَبِي جَهْلٍ وَ هُوَ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ،فَقُلْتُ:اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَخْزَاكَ،فَرَفَعَ رَأْسَهُ،فَقَالَ:إِنَّمَا أَخْزَى اللَّهُ عَبْدَ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ،لِمَنِ الدَّائِرَةُ [٥] وَيْلَكَ.قُلْتُ:لِلَّهِ وَ لِرَسُولِهِ،وَ إِنِّي قَاتِلُكَ،وَ وَضَعْتُ رِجْلِي عَلَى عُنُقِهِ.فَقَالَ:اِرْتَقَيْتَ مُرْتَقًى صَعْباً يَا رُوَيْعِيَ الْغَنَمِ،أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَشَدَّ مِنْ قَتْلِكَ إِيَّايَ فِي هَذَا الْيَوْمِ، أَلاَّ تَوَلَّى قَتْلِي رَجُلٌ مِنَ الْمُطَيَّبِينَ أَوْ رَجُلٌ مِنَ الْأَحْلاَفِ [٦].فَاقْتَلَعْتُ بَيْضَةً كَانَتْ عَلَى رَأْسِهِ فَقَتَلْتُهُ،وَ أَخَذْتُ رَأْسَهُ وَ جِئْتُ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،وَ قُلْتُ:يَا رَسُولَ اللَّهِ،الْبُشْرَى هَذَا رَأْسُ أَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ،فَسَجَدَ لِلَّهِ شُكْراً.
[١] الأنفال ٨:١٢.
[٢] الحين:الهلاك،و أحنه:أهلكه«القاموس المحيط ٤:٢١٩».
[٣] الأنفال ٨:١٩.
[٤] في المصدر:على فخذيه.
[٥] في«ط»و«س»و المصدر:الدين،و ما أثبتناه من مغازي الواقدي ١:٩٠ و سيرة ابن هشام ٢:٢٨٨.
[٦] لمّا أرادت بنو عبد مناف أخذ ما في أيدي عبد الدار من الحجامة و الرّفادة و اللواء و السّقاية،و أبت عبد الدار،عقد كلّ قوم على أمرهم حلفا مؤكّدا على أن لا يتخاذلوا،فاجتمع بنو عبد مناف و بنو زهرة و تيم و أسد،و جعلوا طيبا في جفنة و غمسوا أيديهم فيه،و تحالفوا على التناصر و الأخذ للمظلوم من الظالم،فسمّوا المطيّبين،و تعاقدت بنو عبد الدار مع جمح و مخزوم و عديّ و كعب و سهم حلفا آخر مؤكّدا،فسمّوا الأحلاف لذلك.«النهاية ١:٤٢٥ و ٣:١٤٩».