البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٦٥١ - الأنفال آية ١١- ٢
بِالْمَدِينَةِ قَوْماً لَيْسَ نَحْنُ بِأَشَدَّ جِهَاداً لَكَ مِنْهُمْ،وَ لَوْ عَلِمُوا أَنَّهَا الْحَرْبُ لَمَا تَخَلَّفُوا،وَ نَحْنُ نُعِدُّ لَكَ الرَّوَاحِلَ وَ نَلْقَى عَدُوَّنَا،فَإِنَّا نَصْبِرُ عِنْدَ اللِّقَاءِ،أَنْجَادٌ فِي الْحَرْبِ،وَ إِنَّا لَنَرْجُوا أَنْ يُقِرَّ اللَّهُ عَيْنَكَ بِنَا،فَإِنْ يَكُ مَا تُحِبُّهُ فَهُوَ ذَاكَ،وَ إِنْ يَكُ غَيْرُ ذَلِكَ قَعَدْتَ عَلَى رَاحِلَتِكَ فَلَحِقْتَ بِقَوْمِنَا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):«أَوْ يُحْدِثُ اللَّهُ غَيْرَ ذَلِكَ،كَأَنِّي بِمَصْرَعِ فُلاَنٍ هَاهُنَا وَ بِمَصْرَعِ فُلاَنٍ هَاهُنَا، وَ بِمَصْرَعِ أَبِي جَهْلٍ وَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَ شَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَ مُنَبِّهٍ وَ نَبِيهٍ ابْنَيِ الْحَجَّاجِ،فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ وَعَدَنِي إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَ لَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ الْمِيعَادَ».فَنَزَلَ جَبْرَئِيلُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)عَلَى رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)بِهَذِهِ الْآيَةِ كَمٰا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ إِلَى قَوْلِهِ: وَ لَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ [١].
فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)بِالرَّحِيلِ حَتَّى نَزَلَ عِشَاءً عَلَى مَاءِ بَدْرٍ،وَ هِيَ الْعُدْوَةُ الشَّامِيَّةُ،فَأَقْبَلَتْ قُرَيْشٌ فَنَزَلَتْ بِالْعُدْوَةِ الْيَمَانِيَّةِ،وَ بَعَثَتْ عَبِيدَهَا تَسْتَعْذِبُ مِنَ الْمَاءِ،فَأَخَذَهُمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ حَبَسُوهُمْ،فَقَالُوا لَهُمْ:مَنْ أَنْتُمْ؟قَالُوا:نَحْنُ عَبِيدُ قُرَيْشٍ.قَالُوا:فَأَيْنَ الْعِيرُ؟قَالُوا:لاَ عِلْمَ لَنَا بِالْعِيرِ.فَأَقْبَلُوا يَضْرِبُونَهُمْ،وَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)يُصَلِّي،فَانْفَتَلَ مِنْ صَلاَتِهِ،فَقَالَ:«إِنْ صَدَقُوكُمْ ضَرَبْتُمُوهُمْ،وَ إِنْ كَذَبُوكُمْ تَرَكْتُمُوهُمْ!عَلَيَّ بِهِمْ».فَأَتَوْا بِهِمْ،فَقَالَ لَهُمْ:«مَنْ أَنْتُمْ؟»فَقَالُوا:يَا مُحَمَّدُ،نَحْنُ عَبِيدُ قُرَيْشٍ.قَالَ:«كَمِ الْقَوْمُ؟»قَالُوا:لاَ عِلْمَ لَنَا بِعَدَدِهِمْ.فَقَالَ:«كَمْ يَنْحَرُونَ فِي كُلِّ يَوْمٍ جَزُوراً؟»قَالُوا:تِسْعَةً إِلَى [٢] عَشَرَةٍ.فَقَالَ:«تِسْعُ مِائَةٍ إِلَى أَلْفٍ»قَالَ:
«فَمَنْ فِيهِمْ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ؟»فَقَالُوا:اَلْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ،وَ نَوْفَلُ بْنُ الْحَارِثِ،وَ عَقِيلُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)بِهِمْ فَحُبِسُوا،وَ بَلَغَ قُرَيْشاً ذَلِكَ،فَخَافُوا خَوْفاً شَدِيداً.
وَ لَقِيَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ أَبَا الْبَخْتَرِيِّ بْنَ هِشَامٍ،فَقَالَ لَهُ:أَ مَا تَرَى هَذَا الْبَغْيَ؟وَ اللَّهِ مَا أُبْصِرُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ،خَرَجْنَا لِنَمْنَعَ عِيرَنَا وَ قَدْ أَفْلَتَتْ فَجِئْنَا بَغْياً وَ عُدْوَاناً،وَ اللَّهِ مَا أَفْلَحَ قَطُّ قَوْمٌ بَغَوْا،وَ لَوَدِدْتُ أَنَّ مَا فِي الْعِيرِ مِنْ أَمْوَالِ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ ذَهَبَ كُلُّهُ،وَ لَمْ نَسِرْ هَذَا الْمَسِيرَ.
فَقَالَ لَهُ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ:إِنَّكَ سَيِّدٌ مِنْ سَادَاتِ قُرَيْشٍ فَسِرْ فِي النَّاسِ وَ تَحَمَّلِ الْعِيرَ الَّتِي أَصَابَهَا مُحَمَّدٌ وَ أَصْحَابُهُ بِنَخْلَةَ وَ دَمَ ابْنِ الْحَضْرَمِيِّ،فَإِنَّهُ حَلِيفُكَ.
فَقَالَ عُتْبَةُ:أَنْتَ تُشِيرُ عَلَيَّ بِذَلِكَ،وَ مَا عَلَى أَحَدٍ مِنَّا خِلاَفٌ إِلاَّ ابْنَ حَنْظَلَةَ-يَعْنِي أَبَا جَهْلٍ-فَسِرْ إِلَيْهِ وَ أَعْلِمْهُ أَنِّي قَدْ تَحَمَّلْتُ الْعِيرَ الَّتِي قَدْ أَصَابَهَا مُحَمَّدٌ بِنَخْلَةَ،وَ دَمَ ابْنِ الْحَضْرَمِيِّ.
قَالَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ:فَقَصَدْتُ خِبَاءَهُ،فَإِذَا هُوَ قَدْ أَخْرَجَ دِرْعاً لَهُ،فَقُلْتُ لَهُ:إِنَّ أَبَا الْوَلِيدِ بَعَثَنِي إِلَيْكَ بِرِسَالَةٍ.
فَغَضِبَ ثُمَّ قَالَ:أَ مَا وَجَدَ عُتْبَةُ رَسُولاً غَيْرَكَ؟فَقُلْتُ لَهُ:أَمَا وَ اللَّهِ لَوْ غَيْرُهُ أَرْسَلَنِي مَا جِئْتُ،وَ لَكِنَّ أَبَا الْوَلِيدِ سَيِّدُ الْعَشِيرَةِ،فَغَضِبَ غَضْبَةً أُخْرَى،وَ قَالَ:تَقُولُ:سَيِّدُ الْعَشِيرَةِ؟! فَقُلْتُ:أَنَا أَقُولُ وَ قُرَيْشٌ كُلُّهَا تَقُولُ،إِنَّهُ قَدْ تَحَمَّلَ الْعِيرَ،وَ مَا أَصَابَهُ مُحَمَّدٌ بِنَخْلَةَ،وَ دَمَ ابْنِ الْحَضْرَمِيِّ.
[١] الأنفال ٨:٥-٨.
[٢] في المصدر:أو.