البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٦٥٢ - الأنفال آية ١١- ٢
فَقَالَ:إِنَّ عُتْبَةَ أَطْوَلُ النَّاسِ لِسَاناً،وَ أَبْلَغُهُمْ فِي الْكَلاَمِ،وَ يَتَعَصَّبُ لِمُحَمَّدٍ،فَإِنَّهُ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَ ابْنُهُ مَعَهُ، وَ يُرِيدُ أَنْ يَخْذُلَ النَّاسَ،لاَ،وَ اللاَّتِ وَ الْعُزَّى حَتَّى نُقْحِمَ عَلَيْهِمْ بِيَثْرِبَ،وَ نَأْخُذَهُمْ أُسَارَى فَنُدْخِلَهُمْ مَكَّةَ،وَ تَتَسَامَعَ الْعَرَبُ بِذَلِكَ،وَ لاَ يَكُونُ بَيْنَنَا وَ بَيْنَ مَتْجَرِنَا أَحَدٌ نَكْرَهُهُ.
وَ بَلَغَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)كَثْرَةُ قُرَيْشٍ،فَفَزِعُوا فَزَعاً شَدِيداً،وَ بَكَوْا وَ اسْتَغَاثُوا،فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجٰابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلاٰئِكَةِ مُرْدِفِينَ* وَ مٰا جَعَلَهُ اللّٰهُ إِلاّٰ بُشْرىٰ وَ لِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَ مَا النَّصْرُ إِلاّٰ مِنْ عِنْدِ اللّٰهِ إِنَّ اللّٰهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [١].
فَلَمَّا أَمْسَى رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)وَ جَنَّهُ اللَّيْلُ،أَلْقَى اللَّهُ عَلَى أَصْحَابِهِ النُّعَاسَ حَتَّى نَامُوا،وَ أَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى عَلَيْهِمُ الْمَاءَ،وَ كَانَ نُزُولُ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)فِي مَوْضِعٍ لاَ تَثْبُتُ فِيهِ الْقَدَمُ،فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ السَّمَاءَ وَ لَبَّدَ [٢] الْأَرْضَ حَتَّى تَثْبُتَ أَقْدَامُهُمْ،وَ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعٰاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطٰانِ [٣]وَ ذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)احْتَلَمَ وَ لِيَرْبِطَ عَلىٰ قُلُوبِكُمْ وَ يُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدٰامَ [٤]وَ كَانَ الْمَطَرُ عَلَى قُرَيْشٍ مِثْلَ الْعَزَالِي [٥]،وَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)رَذَاذاً بِقَدْرِ مَا لَبَّدَ الْأَرْضَ،وَ خَافَتْ قُرَيْشٌ خَوْفاً شَدِيداً،فَأَقْبَلُوا يَتَحَارَسُونَ،يَخَافُونَ الْبَيَاتَ [٦].
فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ وَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ،وَ قَالَ:«ادْخُلاَ فِي الْقَوْمِ،وَ أْتِيَانِي بِأَخْبَارِهِمْ».فَكَانَا يَجُولاَنِ فِي عَسْكَرِهِمْ،لاَ يَرَوْنَ إِلاَّ خَائِفاً ذَعِراً،إِذَا صَهَلَ الْفَرَسُ ثَبَتَ [٧] عَلَى جَحْفَلَتِهِ [٨]، فَسَمِعُوا مُنَبِّهَ بْنَ الْحَجَّاجِ يَقُولُ:
لاَ يَتْرُكُ الْجُوعُ لَنَا مَبِيتاً
لاَ بُدَّ أَنْ نَمُوتَ أَوْ نُمِيتَا
قَالَ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):«قَدْ-وَ اللَّهِ-كَانُوا شَبَاعَى،وَ لَكِنَّهُمْ مِنَ الْخَوْفِ قَالُوا هَذَا،وَ أَلْقَى اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ،كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ [٩]».
فَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)عَبَّأَ أَصْحَابَهُ،وَ كَانَ فِي عَسْكَرِهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)فَرَسَانِ:فَرَسٌ لِلزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ،وَ فَرَسٌ لِلْمِقْدَادِ،وَ كَانَ فِي عَسْكَرِهِ سَبْعُونَ جَمَلاً يَتَعَاقَبُونَ عَلَيْهَا،وَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)وَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)وَ مَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيُّ عَلَى جَمَلٍ[يَتَعَاقَبُونَ عَلَيْهِ]،وَ الْجَمَلُ لِمَرْثَدٍ،وَ كَانَ فِي عَسْكَرِ قُرَيْشٍ
[١] الأنفال ٨:٩-١٠.
[٢] لبد المطر و الندى الأرض:ألصق بعض ترابها ببعض فصارت قويّة لا تسوخ فيها الأرجل.
[٣] الأنفال ٨:١١.
[٤] الأنفال ٨:١١.
[٥] يقال للسّحابة إذا انهمرت بالمطر:قد حلّت عزاليها و أرسلت عزاليها.«لسان العرب-عزل-١١:٤٤٣».
[٦] بيّنهم العدوّ بياتا:أي أوقع بهم ليلا.«الصحاح-بيت-١:٢٤٥».
[٧] في المصدر:وثب.
[٨] الجحفلة لذي الحافر:كالشّفة للإنسان.«مجمع البحرين-جحفل-٥:٣٣٤».
[٩] الأنفال ٨:١٢.