البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٦٥٥ - الأنفال آية ١١- ٢
كَذَبْتُمْ وَ بَيْتِ اللَّهِ يُبْزَى [١] مُحَمَّدٌ
وَ لَمَّا نُطَاعِنْ دُونَهُ وَ نُنَاضِلْ
وَ نُسْلِمُهُ حَتَّى نُصَرَّعَ حَوْلَهُ
وَ نَذْهَلُ عَنْ أَبْنَائِنَا وَ الْحَلاَئِلِ
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):«أَ مَا تَرَى ابْنَهُ كَاللَّيْثِ الْعَادِي بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ،وَ ابْنَهُ الْآخَرَ فِي جِهَادِ اللَّهِ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ».فَقَالَ:يَا رَسُولَ اللَّهِ،أَ سَخِطْتَ عَلَيَّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ.فَقَالَ:«مَا سَخِطْتُ عَلَيْكَ،وَ لَكِنْ ذَكَرْتُ عَمِّي فَانْقَبَضْتُ لِذَلِكَ».
وَ قَالَ أَبُو جَهْلٍ لِقُرَيْشٍ:لاَ تَعْجَلُوا وَ لاَ تَبْطَرُوا كَمَا عَجِلَ وَ بَطِرَ أَبْنَاءُ رَبِيعَةَ،عَلَيْكُمْ بِأَهْلِ يَثْرِبَ،فَاجْزُرُوهُمْ جَزْراً،وَ عَلَيْكُمْ بِقُرَيْشٍ فَخُذُوهُمْ أَخْذاً حَتَّى نُدْخِلَهُمْ مَكَّةَ،فَنُعَرِّفَهُمْ ضَلاَلَتَهُمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا.وَ كَانَ فِتْيَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَسْلَمُوا بِمَكَّةَ،فَاحْتَبَسَهُمْ آبَاؤُهُمْ،فَخَرَجُوا مَعَ قُرَيْشٍ إِلَى بَدْرٍ وَ هُمْ عَلَى الشَّكِّ وَ الاِرْتِيَابِ وَ النِّفَاقِ،مِنْهُمْ قَيْسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ،وَ أَبُو قَيْسِ بْنِ الْفَاكِهِ،وَ الْحَارِثُ بْنُ رَبِيعَةَ،وَ عَلِيُّ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ،وَ الْعَاصُ بْنُ الْمُنَبِّهِ.فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَى قِلَّةِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،قَالُوا:مَسَاكِينٌ هَؤُلاَءِ غَرَّهُمْ دِينُهُمْ فَيُقْتَلُونَ السَّاعَةَ.فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ:
إِذْ يَقُولُ الْمُنٰافِقُونَ وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هٰؤُلاٰءِ دِينُهُمْ وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّٰهِ فَإِنَّ اللّٰهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [٢] وَ جَاءَ إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللَّهُ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ،فَقَالَ لَهُمْ:أَنَا جَارٌ لَكُمْ ادْفَعُوا إِلَيَّ رَايَتَكُمْ.فَدَفَعُوهَا إِلَيْهِ،وَ جَاءَ بِشَيَاطِينِهِ يَهُولُ بِهِمْ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،وَ يُخَيِّلُ إِلَيْهِمْ وَ يُفْزِعُهُمْ،وَ أَقْبَلَتْ قُرَيْشٌ يَقْدُمُهَا إِبْلِيسُ، مَعَهُ الرَّايَةُ،فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،فَقَالَ:«غُضُّوا أَبْصَارَكُمْ،وَ عَضُّوا عَلَى النَّوَاجِذِ،وَ لاَ تَسُلُّوا سَيْفاً حَتَّى آذَنَ لَكُمْ».
ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ إِلَى السَّمَاءِ،فَقَالَ:يَا رَبِّ،إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ لَمْ تُعْبَدْ،وَ إِنْ شِئْتَ أَنْ لاَ تُعْبَدَ لاَ تُعْبَدُ.ثُمَّ أَصَابَهُ الْغَشْيُ فَسُرِيَ عَنْهُ وَ هُوَ يَسْلِتُ [٣] الْعَرَقَ عَنْ وَجْهِهِ،وَ يَقُولُ:«هَذَا جَبْرَئِيلُ قَدْ أَتَاكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ».
قَالَ:فَنَظَرْنَا فَإِذَا بِسَحَابَةٍ سَوْدَاءَ فِيهَا بَرْقٌ لاَئِحٌ قَدْ وَقَعَتْ عَلَى عَسْكَرِ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،وَ قَائِلٌ يَقُولُ:أَقْدِمْ حَيْزُومُ،أَقْدِمْ حَيْزُومُ.وَ سَمِعْنَا قَعْقَعَةَ السِّلاَحِ مِنَ الْجَوِّ،وَ نَظَرَ إِبْلِيسُ إِلَى جَبْرَئِيلَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)فَتَرَاجَعَ وَ رَمَى بِاللِّوَاءِ، فَأَخَذَ مُنَبِّهُ بْنُ الْحَجَّاجِ بِمَجَامِعِ ثَوْبِهِ،ثُمَّ قَالَ:وَيْلَكَ،يَا سُرَاقَةُ،تَفُتُّ فِي أَعْضَادِ النَّاسِ،فَرَكَلَهُ إِبْلِيسُ رَكْلَةً فِي صَدْرِهِ،ثُمَّ قَالَ:إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ،إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ.وَ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ: وَ إِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطٰانُ أَعْمٰالَهُمْ وَ قٰالَ لاٰ غٰالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النّٰاسِ وَ إِنِّي جٰارٌ لَكُمْ فَلَمّٰا تَرٰاءَتِ الْفِئَتٰانِ نَكَصَ عَلىٰ عَقِبَيْهِ وَ قٰالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرىٰ مٰا لاٰ تَرَوْنَ إِنِّي أَخٰافُ اللّٰهَ وَ اللّٰهُ شَدِيدُ الْعِقٰابِ [٤].ثُمَّ قَالَ عَزَّ وَ جَلَّ: وَ لَوْ تَرىٰ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلاٰئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَ أَدْبٰارَهُمْ وَ ذُوقُوا عَذٰابَ الْحَرِيقِ [٥].
[١] يبزى:أى يقهر و يغلب،أراد لا يبزى،فحذف(لا)من جواب القسم،و هي مراده،أي لا يقهر و لم نقاتل عنه و ندافع.«النهاية ١:١٢٥».
[٢] الأنفال ٨:٤٩.
[٣] أي يمسحه و يزيله.«انظر:المعجم الوسيط-سلت-١:٤٤١».
[٤] الأنفال ٨:٤٨.
[٥] الأنفال ٨:٥٠.