البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٦٥٧ - الأنفال آية ١١- ٢
وَ أَسَرَ أَبُو بِشْرٍ الْأَنْصَارِيُّ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ،وَ عَقِيلَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ،وَ جَاءَ بِهِمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،فَقَالَ لَهُ:«هَلْ أَعَانَكَ عَلَيْهِمَا أَحَدٌ؟»قَالَ:نَعَمْ،رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابٌ بِيضٌ.فَقَالَ الرَّسُولُ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):
«ذَلِكَ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ».
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)لِلْعَبَّاسِ:«افْدِ نَفْسَكَ وَ ابْنَ أَخِيكَ».فَقَالَ:يَا رَسُولَ اللَّهِ،قَدْ كُنْتُ أَسْلَمْتُ، وَ لَكِنَّ الْقَوْمَ اسْتَكْرَهُونِي.فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):«اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِسْلاَمِكَ،إِنْ يَكُنْ مَا تَذْكُرُ حَقّاً فَإِنَّ اللَّهَ يَجْزِيكَ عَلَيْهِ،وَ أَمَّا ظَاهِرُ أَمْرِكَ فَقَدْ كُنْتَ عَلَيْنَا».ثُمَّ قَالَ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):«يَا عَبَّاسُ،إِنَّكُمْ خَاصَمْتُمُ اللَّهَ فَخَصَمَكُمْ».ثُمَّ قَالَ:
«افْدِ نَفْسَكَ وَ ابْنَ أَخِيكَ».وَ قَدْ كَانَ الْعَبَّاسُ أَخَذَ مَعَهُ أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ،فَغَنِمَهَا رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،فَلَمَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)لِلْعَبَّاسِ:«افْدِ نَفْسَكَ».قَالَ:يَا رَسُولَ اللَّهِ،احْسُبْهَا مِنْ فَدَائِي.فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):«لاَ،ذَاكَ شَيْءٌ أَعْطَانَا اللَّهُ مِنْكَ،فَافْدِ نَفْسَكَ وَ ابْنَ أَخِيكَ»فَقَالَ الْعَبَّاسُ:فَلَيْسَ لِي مَالٌ غَيْرَ الَّذِي ذَهَبَ مِنِّي.فَقَالَ:«بَلَى،الْمَالُ الَّذِي خَلَّفْتَهُ عِنْدَ أُمِّ الْفَضْلِ بِمَكَّةَ،فَقُلْتَ لَهَا:إِنْ حَدَثَ عَلَيَّ حَدَثٌ فَاقْسِمُوهُ بَيْنَكُمْ».
فَقَالَ لَهُ:تَتْرُكُنِي [١] وَ أَنَا أَسْأَلُ النَّاسَ بِكَفِّي.فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ: يٰا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرىٰ إِنْ يَعْلَمِ اللّٰهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمّٰا أُخِذَ مِنْكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اللّٰهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [٢]،ثُمَّ قَالَ: وَ إِنْ يُرِيدُوا خِيٰانَتَكَ فِي عَلِيٍّ فَقَدْ خٰانُوا اللّٰهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَ اللّٰهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [٣].
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)لِعَقِيلٍ:«قَدْ قَتَلَ اللَّهُ-يَا أَبَا يَزِيدَ-أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ وَ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَ شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَ مُنَبِّهَ وَ نَبِيهَ ابْنَيِ الْحَجَّاجِ وَ نَوْفَلَ بْنَ خُوَيْلِدٍ،وَ أَسَرَ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو وَ النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ وَ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ»وَ فُلاَنَ وَ فُلاَنَ.
فَقَالَ عَقِيلٌ:إِذَنْ لاَ تُنَازَعُوا [٤] فِي تِهَامَةَ،فَإِنْ كُنْتَ قَدْ أَثْخَنْتَ الْقَوْمَ وَ إِلاَّ فَارْكَبْ أَكْتَافَهُمْ.فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)مِنْ قَوْلِهِ.
وَ كَانَ الْقَتْلَى بِبَدْرٍ سَبْعِينَ وَ الْأَسْرَى سَبْعِينَ،قَتَلَ مِنْهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)سَبْعَةً وَ عِشْرِينَ،وَ لَمْ يَأْسِرْ أَحَداً،فَجَمَعُوا الْأُسَارَى وَ قَرَنُوهُمْ فِي الْحِبَالِ،وَ سَاقُوهُمْ عَلَى أَقْدَامِهِمْ،وَ جَمَعُوا الْغَنَائِمَ،وَ قُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)تِسْعَةُ رِجَالٍ،فِيهِمْ سَعْدُ بْنُ خَيْثَمَةَ،وَ كَانَ مِنَ النُّقَبَاءِ.
فَرَحَلَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،وَ نَزَلَ الْأَثِيلَ [٥] عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ،وَ هُوَ مِنْ بَدْرٍ عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ،فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)إِلَى عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ وَ النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ كَلْدَةَ،وَ هُمَا فِي قِرَانٍ وَاحِدٍ،فَقَالَ النَّضْرُ لِعُقْبَةَ:
يَا عُقْبَةُ،أَنَا وَ أَنْتَ مَقْتُولاَنِ.قَالَ عُقْبَةُ:مِنْ بَيْنِ قُرَيْشٍ!قَالَ:نَعَمْ،لِأَنَّ مُحَمَّداً قَدْ نَظَرَ إِلَيْنَا نَظْرَةً رَأَيْتُ فِيهَا الْقَتْلَ.فَقَالَ
[١] في المصدر:فقال ما تتركني إلاّ.
[٢] الأنفال ٨:٧٠.
[٣] الأنفال ٨:٧١.
[٤] في المصدر:لا تنازع.
[٥] الأثيل:موضع قرب المدينة.«معجم البلدان ١:٩٤».