البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٨١٠ - التوبة آية ٦٦- ٦٤
وَ هَلْ أَمَرَ اللَّهُ الْمَلاَئِكَةَ بِالسُّجُودِ لآِدَمَ إِلاَّ لِمَا كَانُوا قَدْ وَضَعُوهُ فِي نُفُوسِهِمْ،أَنَّهُ لاَ يَصِيرُ فِي الدُّنْيَا خَلْقٌ بَعْدَهُمْ إِذَا رُفِعُوا عَنْهَا إِلاَّ وَ هُمْ-يَعْنُونَ أَنْفُسَهُمْ-أَفْضَلَ مِنْهُمْ فِي الدِّينِ فَضْلاً،وَ أَعْلَمَ بِاللَّهِ عِلْماً.فَأَرَادَ اللَّهُ [١] أَنْ يُعَرِّفَهُمْ أَنَّهُمْ قَدْ أَخْطَئُوا فِي ظُنُونِهِمْ وَ اعْتِقَادَاتِهِمْ،فَخَلَقَ آدَمَ وَ عَلَّمَهُ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا،ثُمَّ عَرَضَهَا عَلَيْهِمْ فَعَجَزُوا عَنْ مَعْرِفَتِهَا،فَأَمَرَ آدَمَ أَنْ يُنَبِّئَهُمْ بِهَا،وَ عَرَّفَهُمْ فَضْلَهُ فِي الْعِلْمِ عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ صُلْبِ آدَمَ ذُرِّيَّتَهُ مِنْهُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَ الرُّسُلُ وَ الْخِيَارُ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ،أَفْضَلُهُمْ مُحَمَّدٌ ثُمَّ آلُ مُحَمَّدٍ،وَ مِنَ الْخِيَارِ الْفَاضِلِينَ مِنْهُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ وَ خِيَارُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ،وَ عَرَّفَ الْمَلاَئِكَةَ بِذَلِكَ أَنَّهُمْ أَفْضَلُ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ إِذَا احْتَمَلُوا مَا حُمِّلُوهُ مِنَ الْأَثْقَالِ،وَ قَاسُوا مَا هُمْ فِيهِ مِنْ تَعَرُّضِ أَعْوَانِ الشَّيَاطِينِ وَ مُجَاهَدَةِ النُّفُوسِ،وَ احْتِمَالِ أَذَى ثِقْلِ الْعِيَالِ،وَ الاِجْتِهَادِ فِي طَلَبِ الْحَلاَلِ،وَ مُعَانَاةِ مُخَاطَرَةِ الْخَوْفِ مِنَ الْأَعْدَاءِ مِنْ لُصُوصٍ مُخَوِّفِينَ،وَ مِنْ سَلاَطِينِ جَوْرٍ قَاهِرِينَ،وَ صُعُوبَةِ الْمَسَالِكِ فِي الْمَضَايِقِ وَ الْمَخَاوِفِ،وَ الْأَجْزَاعِ [٢] وَ الْجِبَالِ وَ التِّلاَلِ،لِتَحْصِيلِ أَقْوَاتِ الْأَنْفُسِ وَ الْعِيَالِ،مِنَ الطَّيِّبِ الْحَلاَلِ.
عَرَّفَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَنَّ خِيَارَ الْمُؤْمِنِينَ يَحْتَمِلُونَ هَذِهِ الْبَلاَيَا،وَ يَتَخَلَّصُونَ مِنْهَا،وَ يُحَارِبُونَ الشَّيَاطِينَ وَ يَهْزِمُونَهُمْ،وَ يُجَاهِدُونَ أَنْفُسَهُمْ بِدَفْعِهَا عَنْ شَهَوَاتِهَا،وَ يَغْلِبُونَهَا مَعَ مَا رُكِّبَ فِيهِمْ مِنْ شَهْوَةِ الْفُحُولَةِ وَ حُبِّ اللِّبَاسِ وَ الطَّعَامِ وَ الْعِزَّةِ وَ الرِّئَاسَةِ،وَ الْفَخْرِ وَ الْخُيَلاَءِ،وَ مُقَاسَاةِ الْعَنَاءِ وَ الْبَلاَءِ مِنْ إِبْلِيسَ لَعَنَهُ اللَّهُ وَ عَفَارِيتِهِ،وَ خَوَاطِرِهِمْ وَ إِغْوَائِهِمْ وَ اسْتِهْزَائِهِمْ [٣]،وَ دَفْعِ مَا يُكَابِدُونَهُ مِنْ أَلَمِ الصَّبْرِ عَلَى سَمَاعِ الطَّعْنِ مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ،وَ سَمَاعِ الْمَلاَهِي، وَ الشَّتْمِ لِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ،وَ مَعَ مَا يُقَاسُونَهُ فِي أَسْفَارِهِمْ لِطَلَبِ أَقْوَاتِهِمْ،وَ الْهَرَبِ مِنْ أَعْدَاءِ دِينِهِمْ،وَ الطَّلَبِ لِمَنْ يَأْمُلُونَ مُعَامَلَتَهُ مِنْ مُخَالِفِيهِمْ فِي دِينِهِمْ.
قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ:يَا مَلاَئِكَتِي،وَ أَنْتُمْ مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ،لاَ شَهَوَاتُ الْفُحُولَةِ تُزْعِجُكُمْ،وَ لاَ شَهْوَةُ الطَّعَامِ تُحَقِّرُكُمْ،وَ لاَ الْخَوْفُ مِنْ أَعْدَاءِ دِينِكُمْ وَ دُنْيَاكُمْ يُنْخَبُ فِي قُلُوبِكُمْ،وَ لاَ لِإِبْلِيسَ فِي مَلَكُوتِ سَمَاوَاتِي وَ أَرْضِي شُغُلٌ عَلَى إِغْوَاءِ مَلاَئِكَتِي الَّذِينَ قَدْ عَصَمْتُهُمْ مِنْهُ [٤].يَا مَلاَئِكَتِي،فَمَنْ أَطَاعَنِي مِنْهُمْ وَ سَلَّمَ دِينَهُ مِنْ هَذِهِ الْآفَاتِ وَ النَّكَبَاتِ فَقَدِ احْتَمَلَ فِي جَنْبِ مَحَبَّتِي مَا لَمْ تَحْتَمِلُوهُ،وَ اكْتَسَبَ مِنَ الْقُرُبَاتِ مَا لَمْ تَكْتَسِبُوهُ.
فَلَمَّا عَرَّفَ اللَّهُ مَلاَئِكَتَهُ فَضْلَ خِيَارِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)وَ شِيعَةِ عَلِيٍّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)وَ خُلَفَائِهِ عَلَيْهِمْ، وَ احْتِمَالَهُمْ فِي جَنْبِ مَحَبَّةِ رَبِّهِمْ مَا لاَ تَحْتَمِلُهُ الْمَلاَئِكَةُ،أَبَانَ بَنِي آدَمَ الْخِيَارَ الْمُتَّقِينَ بِالْفَضْلِ عَلَيْهِمْ.ثُمَّ قَالَ:فَلِذَلِكَ فَاسْجُدُوا لآِدَمَ.لَمَّا كَانَ مُشْتَمِلاً عَلَى أَنْوَارِ هَذِهِ الْخَلاَئِقِ الْأَفْضَلِينَ.وَ لَمْ يَكُنْ سُجُودُهُمْ لآِدَمَ،إِنَّمَا كَانَ آدَمُ قِبْلَةً لَهُمْ يَسْجُدُونَ نَحْوَهُ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ،وَ كَانَ بِذَلِكَ مُعَظِّماً مُبَجِّلاً لَهُ،وَ لاَ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ مِنْ دُونِ اللَّهِ،وَ أَنْ يَخْضَعَ لَهُ خُضُوعَهُ لِلَّهِ،وَ يُعَظِّمَهُ بِالسُّجُودِ لَهُ كَتَعْظِيمِهِ لِلَّهِ،وَ لَوْ أَمَرْتُ أَحَداً أَنْ يَسْجُدَ هَكَذَا لِغَيْرِ اللَّهِ،لَأَمَرْتُ ضُعَفَاءَ
[١] في المصدر زيادة:و بنبيّه.
[٢] الأجزاع:جمع جزع،و هو الوادي إذا قطعته عرضا.«الصحاح-جزع-٣:١١٩٥».
[٣] في المصدر:و استهوائهم.
[٤] في المصدر:منهم.