البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٧٦٤ - التوبة آية ٣٠
بَقَاءً أَبَدَ الْآبِدِ.أَ وَ لَسْتُمْ تُشَاهِدُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهَارَ وَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ؟فَقَالُوا:نَعَمْ.
فَقَالَ:أَ تَرَوْنَهُمَا لَمْ يَزَالاَ وَ لاَ يَزَالاَنِ؟فَقَالُوا:نَعَمْ.
قَالَ:فَيَجُوزُ عِنْدَكُمُ اجْتِمَاعُ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ،فَقَالُوا:لاَ.
قَالَ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):فَإِذَنْ يَنْقَطِعَ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ،فَيَسْبِقُ أَحَدُهُمَا،وَ يَكُونُ الثَّانِي جَارِياً بَعْدَهُ،قَالُوا:كَذَلِكَ هُوَ.
قَالَ:قَدْ حَكَمْتُمْ بِحُدُوثِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ لَيْلٍ وَ نَهَارٍ لَمْ تُشَاهِدُوهُمَا،فَلاَ تُنْكِرُوا لِلَّهِ قُدْرَةً.
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):أَ تُقَدِّرُونَ مَا تَقَدَّمَ [١] مِنَ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ مُتَنَاهٍ أَوْ غَيْرُ مُتَنَاهٍ؟فَإِنْ قُلْتُمْ:غَيْرُ مُتَنَاهٍ.
فَكَيْفَ وَصَلَ إِلَيْكُمْ آخِرٌ بِلاَ نِهَايَةٍ لِأَوَّلِهِ؟وَ إِنْ قُلْتُمْ:إِنَّهُ مُتَنَاهٍ.فَقَدْ كَانَ وَ لاَ شَيْءَ مِنْهُمَا [٢].قَالُوا:نَعَمْ.
قَالَ لَهُمْ:أَ قُلْتُمْ،إِنَّ الْعَالَمَ قَدِيمٌ لَيْسَ بِمُحْدَثٍ.وَ أَنْتُمْ عَارِفُونَ بِمَعْنَى مَا أَقْرَرْتُمْ بِهِ،وَ بِمَعْنَى مَا جَحَدْتُمُوهُ؟ قَالُوا:نَعَمْ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):فَهَذَا الَّذِي نُشَاهِدُهُ مِنَ الْأَشْيَاءِ،بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ مُفْتَقِرٌ،لِأَنَّهُ لاَ قِوَامَ لِلْبَعْضِ إِلاَّ بِمَا يَتَّصِلُ بِهِ،كَمَا نَرَى أَنَّ الْبِنَاءَ مُحْتَاجٌ بَعْضُ أَجْزَائِهِ إِلَى بَعْضٍ وَ إِلاَّ لَمْ يَتَّسِقْ وَ لَمْ يَسْتَحْكِمْ،وَ كَذَلِكَ سَائِرُ مَا نَرَى.
وَ قَالَ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):فَإِنْ كَانَ هَذَا الْمُحْتَاجُ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ لِقُوَّتِهِ وَ تَمَامِهِ هُوَ الْقَدِيمَ،فَأَخْبِرُونِي أَنْ لَوْ كَانَ مُحْدَثاً فَكَيْفَ كَانَ يَكُونُ؟وَ مَاذَا كَانَتْ تَكُونُ صِفَتُهُ؟قَالَ:فَبُهِتُوا وَ عَلِمُوا أَنَّهُمْ لاَ يَجِدُونَ لِلْمُحْدَثِ صِفَةً يَصِفُونَهُ بِهَا إِلاَّ وَ هِيَ مَوْجُودَةٌ فِي هَذَا الَّذِي زَعَمُوا أَنَّهُ قَدِيمٌ،فَوَجَمُوا ثُمَّ قَالُوا:سَنَنْظُرُ فِي أَمْرِنَا.
ثُمَّ أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)عَلَى الثَّنَوِيَّةِ الَّذِينَ قَالُوا:إِنَّ النُّورَ وَ الظُّلْمَةَ هُمَا الْمُدَبِّرَانِ،فَقَالَ:وَ أَنْتُمْ فَمَا الَّذِي دَعَاكُمْ إِلَى مَا قُلْتُمُوهُ مِنْ هَذَا؟ قَالُوا:لِأَنَّا وَجَدْنَا الْعَالَمَ صِنْفَيْنِ:خَيْراً،وَ شَرّاً،وَ وَجَدْنَا الْخَيْرَ ضِدَّ الشَّرِّ،فَأَنْكَرْنَا أَنْ يَكُونَ فَاعِلٌ وَاحِدٌ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَ ضِدَّهُ،بَلْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَاعِلٌ،أَ لاَ تَرَى أَنَّ الثَّلْجَ مُحَالٌ أَنْ يُسَخِّنَ،كَمَا أَنَّ النَّارَ مُحَالٌ أَنْ تُبَرِّدَ،فَأَثْبَتْنَا لِذَلِكَ صَانِعَيْنِ قَدِيمَيْنِ:ظُلْمَةً وَ ضِيَاءً.
فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):أَ وَ لَسْتُمْ وَجَدْتُمْ سَوَاداً وَ بَيَاضاً،وَ حُمْرَةً وَ صُفْرَةً وَ خُضْرَةً وَ زُرْقَةً،وَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا ضِدٌّ لِسَائِرِهَا،لاِسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعِ اثْنَيْنِ مِنْهَا فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ،كَمَا أَنَّ الْحَرَّ وَ الْبَرْدَ ضِدَّانِ لاِسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعِهِمَا فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ؟قَالُوا:نَعَمْ.
قَالَ:فَهَلاَّ أَثْبَتُّمْ بِعَدَدِ كُلِّ لَوْنٍ صَانِعاً قَدِيماً،لِيَكُونَ فَاعِلُ كُلِّ ضِدٍّ مِنْ هَذِهِ الْأَلْوَانِ غَيْرَ فَاعِلِ الضِّدِّ الْآخَرِ؟ فَسَكَتُوا.
ثُمَّ قَالَ:وَ كَيْفَ اخْتَلَطَ النُّورُ وَ الظُّلْمَةُ،وَ هَذَا مِنْ طَبْعِهِ الصُّعُودُ،وَ هَذِهِ مِنْ طَبْعِهَا النُّزُولُ،أَ رَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ رَجُلاً
[١] في المصدر:أ تقولون ما قبلكم.
[٢] في المصدر زيادة:بقديم.