البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٧٦٢ - التوبة آية ٣٠
الْمَنْزِلَةَ لِمُوسَى أَوْلَى،وَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَفْضَحُ كُلَّ مُبْطِلٍ بِإِقْرَارِهِ،وَ يَقْلِبُ عَلَيْهِ حُجَّتَهُ.إِنَّ مَا احْتَجَجْتُمْ بِهِ إِنَّمَا يُؤَدِّيكُمْ إِلَى مَا هُوَ أَكْبَرُ مِمَّا ذَكَرْتُهُ لَكُمْ،لِأَنَّكُمْ زَعَمْتُمْ أَنَّ عَظِيماً مِنْ عُظَمَائِكُمْ قَدْ يَقُولُ لِأَجْنَبِيٍّ لاَ نَسَبَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَهُ:يَا بُنَيَّ، وَ هَذَا ابْنِي،لاَ عَلَى طَرِيقِ الْوِلاَدَةِ،فَقَدْ تَجِدُونَ أَيْضاً هَذَا الْعَظِيمَ يَقُولُ لِأَجْنَبِيٍّ آخَرَ:هَذَا أَخِي.وَ لِآخَرَ:هَذَا شَيْخِي، وَ أَبِي.وَ لِآخَرَ:هَذَا سَيِّدِي،وَ يَا سَيِّدِي،عَلَى طَرِيقِ الْإِكْرَامِ،وَ إِنَّ مَنْ زَادَهُ فِي الْكَرَامَةِ زَادَهُ فِي مِثْلِ هَذَا الْقَوْلِ،فَإِذَنْ يَجُوزُ عِنْدَكُمْ أَنْ يَكُونَ مُوسَى أَخاً لِلَّهِ أَوْ شَيْخاً أَوْ أَباً أَوْ سَيِّداً لِأَنَّهُ قَدْ زَادَهُ فِي الْكَرَامَةِ عَلَى مَا لِعُزَيْرٍ،كَمَا أَنَّ مَنْ زَادَ رَجُلاً فِي الْإِكْرَامِ،فَقَالَ لَهُ:يَا سَيِّدِي،وَ يَا شَيْخِي،وَ يَا عَمِّي،وَ يَا رَئِيسِي،وَ يَا أَمِيرِي[عَلَى طَرِيقِ الْإِكْرَامِ،وَ إِنَّ مَنْ زَادَهُ فِي الْكَرَامَةِ زَادَهُ فِي مِثْلِ هَذَا الْقَوْلِ،أَ فَيَجُوزُ عِنْدَكُمْ أَنْ يَكُونَ مُوسَى أَخاً لِلَّهِ أَوْ شَيْخاً أَوْ عَمّاً أَوْ رَئِيساً أَوْ سَيِّداً أَوْ أَمِيراً لِأَنَّهُ قَدْ زَادَهُ فِي الْإِكْرَامِ عَلَى مَنْ قَالَ لَهُ:يَا شَيْخِي أَوْ:يَا سَيِّدِي أَوْ:يَا عَمِّي أَوْ:يَا رَئِيسِي أَوْ:يَا أَمِيرِي؟].
قَالَ:فَبُهِتَ الْقَوْمُ وَ تَحَيَّرُوا،وَ قَالُوا:يَا مُحَمَّدُ،أَجِّلْنَا نَتَفَكَّرْ فِيمَا قُلْتَهُ.فَقَالَ:اُنْظُرُوا فِيهِ بِقُلُوبٍ مُعْتَقِدَةٍ لِلْإِنْصَافِ يَهْدِكُمُ اللَّهُ.
ثُمَّ أَقْبَلَ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)عَلَى النَّصَارَى،فَقَالَ لَهُمْ:وَ أَنْتُمْ قُلْتُمْ:إِنَّ الْقَدِيمَ عَزَّ وَ جَلَّ اتَّحَدَ بِالْمَسِيحِ ابْنِهِ،مَا الَّذِي أَرَدْتُمُوهُ بِهَذَا الْقَوْلِ؟أَرَدْتُمْ أَنَّ الْقَدِيمَ صَارَ مُحْدَثاً لِوُجُودِ هَذَا الْمُحْدَثِ الَّذِي هُوَ عِيسَى؟أَوِ الْمُحْدَثَ الَّذِي هُوَ عِيسَى صَارَ قَدِيماً لِوُجُودِ الْقَدِيمِ الَّذِي هُوَ اللَّهُ،أَوْ مَعْنَى قَوْلِكُمْ:إِنَّهُ اتَّحَدَ بِهِ،أَنَّهُ اخْتَصَّهُ بِكَرَامَةٍ لَمْ يُكْرِمْ بِهَا أَحَداً سِوَاهُ.فَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنَّ الْقَدِيمَ تَعَالَى صَارَ مُحْدَثاً،فَقَدْ أَحَلْتُمْ [١]،لِأَنَّ الْقَدِيمَ مُحَالٌ أَنْ يَنْقَلِبَ فَيَصِيرَ مُحْدَثاً،وَ إِنْ أَرَدْتُمْ أَنَّ الْمُحْدَثَ صَارَ قَدِيماً،فَقَدْ أَحَلْتُمْ،لِأَنَّ الْمُحْدَثَ أَيْضاً مُحَالٌ أَنْ يَصِيرَ قَدِيماً،وَ إِنْ أَرَدْتُمْ أَنَّهُ اتَّحَدَ بِهِ بِأَنِ اخْتَصَّهُ وَ اصْطَفَاهُ عَلَى سَائِرِ عِبَادِهِ،فَقَدْ أَقْرَرْتُمْ بِحُدُوثِ عِيسَى وَ بِحُدُوثِ الْمَعْنَى الَّذِي اتَّحَدَ بِهِ مِنْ أَجْلِهِ،لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ عِيسَى مُحْدَثاً،وَ كَانَ اللَّهُ اتَّحَدَ بِهِ بِأَنِ أَحْدَثَ بِهِ مَعْنًى صَارَ بِهِ أَكْرَمَ الْخَلْقِ عِنْدَهُ،فَقَدْ صَارَ عِيسَى وَ ذَلِكَ الْمَعْنَى مُحْدَثَيْنِ،وَ هَذَا خِلاَفُ مَا بَدَأْتُمْ تَقُولُونَهُ.
قَالَ:فَقَالَتِ النَّصَارَى:يَا مُحَمَّدُ،إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَظْهَرَ عَلَى يَدِ عِيسَى مِنَ الْأَشْيَاءِ الْعَجِيبَةِ مَا أَظْهَرَ، فَقَدِ اتَّخَذَهُ وَلَداً عَلَى جِهَةِ الْكَرَامَةِ،فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):فَقَدْ سَمِعْتُمْ مَا قُلْتُ لِلْيَهُودِ فِي هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ،ثُمَّ أَعَادَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)ذَلِكَ كُلَّهُ،فَسَكَتُوا إِلاَّ رَجُلاً وَاحِداً مِنْهُمْ،قَالَ لَهُ:يَا مُحَمَّدُ،أَ وَ لَسْتُمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلُ اللَّهِ؟[قَالَ:قَدْ قُلْنَا ذَلِكَ.فَقَالَ:]فَإِذَا قُلْتُمْ ذَلِكَ،فَلِمَ مَنَعْتُمُونَا مِنْ أَنْ نَقُولَ:إِنَّ عِيسَى ابْنُ اللَّهِ؟! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):إِنَّهُمَا لَنْ يَشْتَبِهَا،لِأَنَّ قَوْلَنَا:إِنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلُ اللَّهِ،فَإِنَّمَا هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْخَلَّةِ وَ الْخُلَّةِ،فَأَمَّا الْخَلَّةُ فَمَعْنَاهُ الْفَقْرُ وَ الْفَاقَةُ،فَقَدْ كَانَ خَلِيلاً إِلَى رَبِّهِ فَقِيراً وَ إِلَيْهِ مُنْقَطِعاً،وَ عَنْ غَيْرِهِ مُتَعَفِّفاً مُعْرِضاً مُسْتَغْنِياً،وَ ذَلِكَ لَمَّا أُرِيدَ قَذْفُهُ فِي النَّارِ فَرُمِيَ بِهِ فِي الْمَنْجَنِيقِ فَبَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى جَبْرَئِيلَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،وَ قَالَ لَهُ:أَدْرِكْ عَبْدِي.فَجَاءَهُ فَلَقِيَهُ فِي الْهَوَاءِ،فَقَالَ لَهُ:كَلِّفْنِي مَا بَدَا لَكَ،فَقَدْ بَعَثَنِي اللَّهُ لِنُصْرَتِكَ،فَقَالَ:بَلْ حَسْبِيَ اللَّهُ وَ نِعْمَ
[١] أحال:جمع بين المتناقضين في كلامه.«المعجم الوسيط-حال-١:٢٠٨».