البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٧٨٩ - التوبة آية ٤٧- ٤٤
اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،مِنْهُمْ:أَبُو خَيْثَمَةَ وَ كَانَ قَوِيّاً،وَ كَانَتْ لَهُ زَوْجَتَانِ وَ عَرِيشَانِ [١]،وَ كَانَتْ زَوْجَتَاهُ قَدْ رَشَّتَا عَرِيشَتَيْهِ، وَ بَرَّدَتَا لَهُ الْمَاءَ،وَ هَيَّأَتَا لَهُ طَعَاماً،فَأَشْرَفَ عَلَى عَرِيشَتِهِ،فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِمَا،قَالَ:لاَ وَ اللَّهِ،مَا هَذَا بِإِنْصَافٍ،رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَ مَا تَأَخَّرَ،قَدْ خَرَجَ فِي الضِّحِّ [٢] وَ الرِّيحِ،وَ قَدْ حَمَلَ السِّلاَحَ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ،وَ أَبُو خَيْثَمَةَ قَوِيٌّ قَاعِدٌ فِي عَرِيشَتِهِ وَ امْرَأَتَيْنِ حَسْنَاوَيْنِ،لاَ وَ اللَّهِ،مَا هَذَا بِإِنْصَافٍ.ثُمَّ أَخَذَ نَاقَتَهُ فَشَدَّ عَلَيْهَا رَحْلَهُ وَ لَحِقَ بِرَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،فَنَظَرَ النَّاسُ إِلَى رَاكِبٍ عَلَى الطَّرِيقِ،فَأَخْبَرُوا رَسُولَ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بِذَلِكَ،فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):«كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ»فَأَقْبَلَ وَ أَخْبَرَ النَّبِيَّ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)بِمَا كَانَ مِنْهُ،فَجَزَاهُ خَيْراً وَ دَعَا لَهُ.
وَ كَانَ أَبُو ذَرٍّ(رَحِمَهُ اللَّهُ)تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ،وَ ذَلِكَ أَنَّ جَمَلَهُ كَانَ أَعْجَفَ [٣]،فَلَحِقَ بَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ بِهِ،وَ وَقَفَ عَلَيْهِ جَمَلُهُ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ فَتَرَكَهُ وَ حَمَلَ ثِيَابَهُ عَلَى ظَهْرِهِ،فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ نَظَرَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى شَخْصٍ مُقْبِلٍ،فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):«كُنْ أَبَا ذَرٍّ»فَقَالُوا:هُوَ أَبُو ذَرٍّ.فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):«أَدْرِكُوهُ بِالْمَاءِ فَإِنَّهُ عَطْشَانُ»فَأَدْرَكُوهُ بِالْمَاءِ،وَ وَافَى أَبُو ذَرٍّ رَسُولَ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)وَ مَعَهُ إِدَاوَةٌ [٤] فِيهَا مَاءٌ،فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):«يَا أَبَا ذَرٍّ،مَعَكَ مَاءٌ وَ عَطِشْتَ!»قَالَ:نَعَمْ-يَا رَسُولَ اللَّهِ،بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي-اِنْتَهَيْتُ إِلَى صَخْرَةٍ عَلَيْهَا مَاءُ السَّمَاءِ فَذُقْتُهُ،فَإِذَا هُوَ عَذْبٌ بَارِدٌ،فَقُلْتُ:لاَ أَشْرَبُهُ حَتَّى يَشْرَبَ حَبِيبِي رَسُولُ اللَّهِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ:«يَا أَبَا ذَرٍّ-رَحِمَكَ اللَّهُ-تَعِيشُ وَحْدَكَ،وَ تَمُوتُ وَحْدَكَ،وَ تُبْعَثُ وَحْدَكَ،وَ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَحْدَكَ،يَسْعَدُ بِكَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ،يَتَوَلَّوْنَ غُسْلَكَ وَ تَجْهِيزَكَ وَ الصَّلاَةَ عَلَيْكَ وَ دَفْنَكَ».
فَلَمَّا سَيَّرَ بِهِ عُثْمَانُ إِلَى الرَّبَذَةِ،فَمَاتَ بِهَا ابْنُهُ ذَرٌّ،وَقَفَ عَلَى قَبْرِهِ،فَقَالَ:رَحِمَكَ اللَّهُ-يَا ذَرُّ-لَقَدْ كُنْتَ كَرِيمَ الْخُلُقِ،بَارّاً بِالْوَالِدَيْنِ،وَ مَا عَلَيَّ فِي مَوْتِكَ مِنْ غَضَاضَةٍ [٥]،وَ مَا بِي إِلَى غَيْرِ اللَّهِ مِنْ حَاجَةٍ،وَ قَدْ شَغَلَنِي الاِهْتِمَامُ بِكَ عَنِ الاِغْتِمَامِ لَكَ،وَ لَوْلاَ هَوْلُ الْمُطَّلَعِ لَأَحْبَبْتُ أَنْ أَكُونَ مَكَانَكَ،فَلَيْتَ شِعْرِي مَا قَالُوا لَكَ،وَ مَا قُلْتُ لَهُمْ؟ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ فَقَالَ:اَللَّهُمَّ إِنَّكَ فَرَضْتَ لَكَ عَلَيْهِ حُقُوقاً،وَ فَرَضْتَ لِي عَلَيْهِ حُقُوقاً،فَإِنِّي قَدْ وَهَبْتُ لَهُ مَا فَرَضْتَ لِي عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِي،فَهَبْ لَهُ مَا فَرَضْتَ عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِكَ،فَإِنَّكَ أَوْلَى بِالْحَقِّ وَ أَكْرَمُ مِنِّي.
وَ كَانَتْ لِأَبِي ذَرٍّ غُنَيْمَاتٌ يَعِيشُ هُوَ وَ عِيَالُهُ مِنْهَا،فَأَصَابَهَا دَاءٌ،يُقَالُ لَهُ:اَلنُّقَازُ [٦]،فَمَاتَتْ كُلُّهَا،فَأَصَابَ أَبَا ذَرٍّ وَ ابْنَتَهُ الْجُوعُ فَمَاتَتْ أَهْلُهُ،فَقَالَتِ ابْنَتُهُ:أَصَابَنَا الْجُوعُ،وَ بَقِينَا ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ لَمْ نَأْكُلْ شَيْئاً.
فَقَالَ:يَا بُنَيَّةِ،قُومِي بِنَا إِلَى الرَّمْلِ نَطْلُبِ الْقَتَّ-وَ هُوَ نَبْتٌ لَهُ حَبُّ-فَصِرْنَا إِلَى الرَّمْلِ،فَلَمْ نَجِدْ شَيْئاً،فَجَمَعَ
[١] العريش:ما يستظلّ به.«الصحاح-عرش-٣:١٠١٠».
[٢] الضحّ:الشمس.«الصحاح-ضحح-١:٣٨٥».
[٣] الأعجف:المهزول.«الصحاح-عجف-٤:١٣٩٩».
[٤] الإداوة:المطهرة.«الصحاح-أدا-٦:٢٢٦٦».
[٥] الغضاضة:الذلّة و المنقصة.«القاموس المحيط-غاض-٢:٣٥١».
[٦] النقاز:داء يأخذ الغنم فتنقز منه حتّى تموت.«الصحاح-نقز-٣:٩٠٠».