البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٨٢٩ - التوبة آية ١٠٠
وَ صَارِفِ الشَّدَائِدِ وَ الْبَلاَءِ،عِنْدَ الْفُهَمَاءِ وَ غَيْرِ الْفُهَمَاءِ،الْمُذْعِنِينَ مِنْ عِبَادِهِ لاِمْتِنَاعِهِ بِجَلاَلِهِ وَ كِبْرِيَائِهِ،وَ عُلُوِّهِ عَنْ لُحُوقِ الْأَوْهَامِ بِبَقَائِهِ،الْمُرْتَفِعِ عَنْ كُنْهِ ظِنَانَةِ الْمَخْلُوقِينَ مِنْ أَنْ تُحِيطَ بِمَكْنُونِ غَيْبِهِ رَوِيَّاتُ عُقُولِ الرَّاءِينَ.
وَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ فِي رُبُوبِيَّتِهِ وَ وُجُودِهِ وَ وَحْدَانِيَّتِهِ،صَمَداً لاَ شَرِيكَ لَهُ،فَرْداً لاَ ظَهِيرَ لَهُ،وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ،اصْطَفَاهُ وَ انْتَجَبَهُ وَ ارْتَضَاهُ،وَ بَعَثَهُ دَاعِياً إِلَى الْحَقِّ وَ سِرَاجاً مُنِيراً،وَ لِلْعِبَادِ مِمَّا يَخَافُونَ نَذِيراً،وَ لِمَا يَأْمُلُونَ بَشِيراً،فَنَصَحَ لِلْأُمَّةِ وَ صَدَعَ بِالرِّسَالَةِ،وَ أَبَانَ لَهُمْ دَرَجَاتِ الْعُمَالَةِ [١]،شَهَادَةً عَلَيْهَا أمات [أَمُوتُ] وَ أُحْشَرُ، وَ بِهَا فِي الْآجِلَةِ أُقَرَّبُ وَ أخر [أُحْبَرُ] .
وَ أَقُولُ-مَعْشَرَ الْخَلاَئِقِ-فَاسْمَعُوا،وَ لَكُمْ أَفْئِدَةٌ وَ أَسْمَاعٌ فَعُوا:إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ أَكْرَمَنَا اللَّهُ بِالْإِسْلاَمِ،وَ اخْتَارَنَا وَ اصْطَفَانَا وَ اجْتَبَانَا،فَأَذْهَبَ عَنَّا الرِّجْسَ وَ طَهَّرَنَا تَطْهِيراً،وَ الرِّجْسُ هُوَ الشَّكُّ،فَلاَ نَشُكُّ فِي اللَّهِ الْحَقِّ وَ دِينِهِ أَبَداً، وَ طَهَّرَنَا مِنْ كُلِّ أَفَنٍ وَ غَيَّةٍ [٢]،مُخْلِصِينَ إِلَى آدَمَ نِعْمَةً مِنْهُ،لَمْ يَفْتَرِقِ النَّاسُ قَطُّ فِرْقَتَيْنِ إِلاَّ جَعَلَنَا اللَّهُ فِي خَيْرِهِمَا، فَأَدَّتِ الْأُمُورُ وَ أَفْضَتِ الدُّهُورُ إِلَى أَنْ بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّداً(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)بِالنُّبُوَّةِ،وَ اخْتَارَهُ لِلرِّسَالَةِ،وَ أَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابَهُ،ثُمَّ أَمَرَهُ بِالدُّعَاءِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ،فَكَانَ أَبِي(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)أَوَّلَ مَنِ اسْتَجَابَ لِلَّهِ تَعَالَى وَ لِرَسُولِهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،وَ أَوَّلَ مَنْ آمَنَ وَ صَدَّقَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ.وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْمُنْزَلِ عَلَى نَبِيِّهِ الْمُرْسَلِ: أَ فَمَنْ كٰانَ عَلىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شٰاهِدٌ مِنْهُ [٣]فَرَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)الَّذِي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ،وَ أَبِي الَّذِي يَتْلُوهُ،وَ هُوَ شَاهِدٌ مِنْهُ.
وَ قَدْ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)حِينَ أَمَرَهُ أَنْ يَسِيرَ إِلَى مَكَّةَ وَ الْمَوْسِمِ بِبَرَاءَةَ:سِرْ بِهَا-يَا عَلِيُّ-فَإِنِّي أُمِرْتُ أَنْ لاَ يَسِيرَ بِهَا إِلاَّ أَنَا أَوْ رَجُلٌ مِنِّي،وَ أَنْتَ هُوَ يَا عَلِيُّ.فَهُوَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ،وَ رَسُولُ اللَّهِ مِنْهُ.
وَ قَالَ لَهُ نَبِيُّ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)حِينَ قَضَى بَيْنَهُ وَ بَيْنَ أَخِيهِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ)وَ مَوْلاَهُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ فِي ابْنَةِ حَمْزَةَ:أَمَّا أَنْتَ-يَا عَلِيُّ-فَمِنِّي وَ أَنَا مِنْكَ،وَ أَنْتَ وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ بَعْدِي.فَصَدَّقَ أَبِي رَسُولَ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) سَابِقاً وَ وَقَاهُ بِنَفْسِهِ.
ثُمَّ لَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)فِي كُلِّ مَوْطِنٍ يُقَدِّمُهُ،وَ لِكُلِّ شَدِيدَةٍ يُرْسِلُهُ،ثِقَةً مِنْهُ بِهِ،وَ طُمَأْنِينَةً إِلَيْهِ، لِعِلْمِهِ بِنَصِيحَتِهِ لِلَّهِ[وَ رَسُولِهِ وَ أَنَّهُ أَقْرَبُ الْمُقَرَّبِينَ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ،وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ]عَزَّ وَ جَلَّ: وَ السّٰابِقُونَ السّٰابِقُونَ * أُولٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ [٤]فَكَانَ أَبِي سَابِقَ السَّابِقِينَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ إِلَى رَسُولِهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)وَ أَقْرَبَ الْأَقْرَبِينَ، وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لاٰ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَ قٰاتَلَ أُولٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً [٥]فَأَبِي كَانَ أَوَّلَهُمْ إِسْلاَماً وَ إِيمَاناً،وَ أَوَّلَهُمْ إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ هِجْرَةً،وَ لُحُوقاً،وَ أَوَّلَهُمْ عَلَى وُجْدِهِ وَ وُسْعِهِ نَفَقَةً.
[١] العمالة:أجرة العامل.«المعجم الوسيط ٢:٦٢٨».
[٢] الأفن:النقص،و الغيّة:الفساد،يقال:هو ولد غيّة،أي ولد زنية«لسان العرب-أفن-١٣:١٩ و-غوى-١٥:١٤٠،المعجم الوسيط-غوى-٢: ٦٦٧».
[٣] هود ١١:١٧.
[٤] الواقعة ٥٦:١٠-١١.
[٥] الحديد ٥٧:١٠.