البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٢٧٦ - المائدة آية ٣١- ٢٧
فَقَتَلَهُ،فَكَانَ مِنْ قِصَّتِهِمَا مَا قَدْ أَنْبَأَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ مِمَّا كَانَ بَيْنَهُمَا مِنَ الْمُحَاوَرَةِ قَبْلَ أَنْ يَقْتُلَهُ».
قَالَ:«فَلَمَّا عَلِمَ آدَمُ بِقَتْلِ هَابِيلَ جَزِعَ عَلَيْهِ جَزَعاً شَدِيداً وَ دَخَلَهُ حُزْنٌ شَدِيدٌ-قَالَ-فَشَكَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ذَلِكَ،فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ:أَنِّي وَاهِبٌ لَكَ ذَكَراً يَكُونُ خَلَفاً لَكَ مِنْ هَابِيلَ-قَالَ-فَوَلَدَتْ حَوَّاءُ غُلاَماً زَكِيّاً مُبَارَكاً،فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ السَّابِعُ سَمَّاهُ آدَمُ:شَيْثَ،فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى آدَمَ:إِنَّمَا هَذَا الْغُلاَمُ هِبَةٌ مِنِّي لَكَ،فَسَمِّهِ:هِبَةَ اللَّهِ».
قَالَ:«فَلَمَّا دَنَا أَجَلُ آدَمَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ:أَنْ يَا آدَمُ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَ رَافِعُ رُوحِكَ إِلَيَّ يَوْمَ كَذَا وَ كَذَا، فَأَوْصِ إِلَى خَيْرِ وُلْدِكَ،وَ هُوَ هِبَتِيَ الَّذِي وَهَبْتُهُ لَكَ،فَأَوْصِ إِلَيْهِ،وَ سَلِّمْ إِلَيْهِ مَا عَلَّمْنَاكَ مِنَ الْأَسْمَاءِ،وَ الاِسْمِ الْأَعْظَمِ، فَاجْعَلْ ذَلِكَ فِي تَابُوتٍ،فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ لاَ تَخْلُوا أَرْضِي مِنْ عَالِمٍ يَعْلَمُ عِلْمِي،وَ يَقْضِي بِحُكْمِي،أَجْعَلُهُ حُجَّةً لِي [١]عَلَى خَلْقِي».
قَالَ:«فَجَمَعَ آدَمُ إِلَيْهِ جَمِيعَ وُلْدِهِ مِنَ الرِّجَالِ وَ النِّسَاءِ،فَقَالَ لَهُمْ:يَا وُلْدِي،إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنَّهُ رَافِعٌ إِلَيْهِ رُوحِي،وَ أَمَرَنِي أَنْ أُوصِيَ إِلَى خَيْرِ وُلْدِي،وَ إِنَّهُ هِبَةُ اللَّهِ،وَ إِنَّ اللَّهَ اخْتَارَهُ لِي وَ لَكُمْ مِنْ بَعْدِي،اسْمَعُوا لَهُ وَ أَطِيعُوا أَمْرَهُ،فَإِنَّهُ وَصِيِّي وَ خَلِيفَتِي عَلَيْكُمْ.فَقَالُوا جَمِيعاً:نَسْمَعُ لَهُ وَ نُطِيعُ أَمْرَهُ،وَ لاَ نُخَالِفُهُ».
قَالَ:«فَأَمَرَ بِالتَّابُوتِ،فَعُمِلَ،ثُمَّ جَعَلَ فِيهِ عِلْمَهُ وَ الْأَسْمَاءَ وَ الْوَصِيَّةَ،ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَى هِبَةِ اللَّهِ،وَ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ،وَ قَالَ لَهُ:اُنْظُرْ-يَا هِبَةَ اللَّهِ-إِذَا أَنَا مِتُّ فَغَسِّلْنِي وَ كَفِّنِّي،وَ صَلِّ عَلَيَّ وَ أَدْخِلْنِي فِي حُفْرَتِي،فَإِذَا مَضَى بَعْدَ وَفَاتِي أَرْبَعُونَ يَوْماً فَأَخْرِجْ عِظَامِي كُلَّهَا مِنْ حُفْرَتِي فَاجْمَعْهَا جَمِيعاً،ثُمَّ اجْعَلْهَا فِي التَّابُوتِ وَ احْتَفِظْ بِهِ،وَ لاَ تَأْمَنَنَّ عَلَيْهِ أَحَداً غَيْرَكَ،فَإِذَا حَضَرَتْ وَفَاتُكَ،وَ أَحْسَسْتَ بِذَلِكَ مِنْ نَفْسِكَ،فَالْتَمِسْ خَيْرَ وُلْدِكَ [٢]،وَ أَلْزَمَهُمْ لَكَ صُحْبَةً، وَ أَفْضَلَهُمْ عِنْدَكَ قَبْلَ ذَلِكَ،فَأَوْصِ إِلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَوْصَيْتُ بِهِ إِلَيْكَ،وَ لاَ تَدَعَنَّ الْأَرْضَ بِغَيْرِ عَالِمٍ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ.
يَا بُنَيَّ،إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَهْبَطَنِي إِلَى الْأَرْضِ وَ جَعَلَنِي خَلِيفَةً [٣] فِيهَا،حُجَّةً لَهُ عَلَى خَلْقِهِ،فَقَدْ أَوْصَيْتُ إِلَيْكَ بِأَمْرِ اللَّهِ وَ جَعَلْتُكَ حُجَّةً لِلَّهِ عَلَى خَلْقِهِ فِي أَرْضِهِ بَعْدِي،فَلاَ تَخْرُجْ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى تَدَعَ لِلَّهِ حُجَّةً وَ وَصِيّاً،وَ تُسَلِّمَ إِلَيْهِ التَّابُوتَ وَ مَا فِيهِ،كَمَا سَلَّمْتُهُ إِلَيْكَ،وَ أَعْلِمْهُ أَنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ ذُرِّيَّتِي رَجُلٌ اسْمُهُ نُوحٌ،يَكُونُ فِي نُبُوَّتِهِ الطُّوفَانُ وَ الْغَرَقُ،فَمَنْ رَكِبَ فِي فُلْكِهِ نَجَا،وَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْ فُلْكِهِ غَرِقَ،وَ أَوْصِ وَصِيَّكَ أَنْ يَحْفَظَ بِالتَّابُوتِ وَ بِمَا فِيهِ،فَإِذَا حَضَرَتْ وَفَاتُهُ أَنْ يُوصِيَ إِلَى خَيْرِ وُلْدِهِ،وَ أَلْزَمِهِمْ لَهُ،وَ أَفْضَلِهِمْ عِنْدَهُ،وَ يُسَلِّمَ إِلَيْهِ التَّابُوتَ وَ مَا فِيهِ،وَ لْيَضَعْ كُلُّ وَصِيٍّ وَصِيَّتَهُ فِي التَّابُوتِ،وَ لْيُوصِ بِذَلِكَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ،فَمَنْ أَدْرَكَ نُبُوَّةَ نُوحٍ فَلْيَرْكَبْ مَعَهُ،وَ لْيَحْمِلِ التَّابُوتَ وَ جَمِيعَ مَا فِيهِ فِي فُلْكِهِ،وَ لاَ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ أَحَدٌ.
وَ يَا هِبَةَ اللَّهِ،وَ أَنْتُمْ يَا وُلْدِي،إِيَّاكُمْ وَ الْمَلْعُونَ قَابِيلَ،وَ وُلْدَهُ،فَقَدْ رَأَيْتُمْ مَا فَعَلَ بِأَخِيكُمْ هَابِيلَ،فَاحْذَرُوهُ وَ وُلْدَهُ،وَ لاَ تُنَاكِحُوهُمْ،وَ لاَ تُخَالِطُوهُمْ،وَ كُنْ أَنْتَ-يَا هِبَةَ اللَّهِ-وَ إِخْوَتُكَ وَ أَخَوَاتُكَ فِي أَعْلَى الْجَبَلِ،وَ اعْزِلْهُ وَ وُلْدَهُ، وَ دَعِ الْمَلْعُونَ قَابِيلَ وَ وُلْدَهُ فِي أَسْفَلِ الْجَبَلِ».
[١] في المصدر:أجعله حجّتي.
[٢] في«س»:ولد لك.
[٣] في المصدر:خليفته.