البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٨٠٩ - التوبة آية ٦٦- ٦٤
الدَّابَّةِ إِلَى مَا يَلِي كَفَلَهَا [١] وَ الْقَوْمُ مَعَهُ،بَعْضُهُمْ كَانَ أَمَامَهُ،وَ بَعْضُهُمْ خَلْفَهُ،وَ قَالَ:اِكْشِفُوا عَنْ هَذَا الْمَكَانِ،فَكَشَفُوا عَنْهُ فَإِذَا هُوَ خَاوٍ،وَ لاَ يَسِيرٌ عَلَيْهِ أَحَدٌ إِلاَّ وَقَعَ فِي الْحَفِيرَةِ،فَأَظْهَرَ الْقَوْمُ الْفَزَعَ وَ التَّعَجُّبَ مِمَّا رَأَوْا،فَقَالَ عَلِيٌّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) لِلْقَوْمِ:أَ تَدْرُونَ مَنْ عَمِلَ هَذَا؟قَالُوا:لاَ نَدْرِي.قَالَ عَلِيٌّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):لَكِنْ فَرَسِي هَذَا يَدْرِي.ثُمَّ قَالَ:يَا أَيُّهَا الْفَرَسُ، كَيْفَ هَذَا وَ مَنْ دَبَّرَهُ؟فَقَالَ الْفَرَسُ:يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ،إِذَا كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ يُبْرِمُ مَا يَرُومُ جُهَّالُ الْخَلْقِ نَقْضَهُ،أَوْ كَانَ يَنْقُضُ مَا يَرُومُ جُهَّالُ الْخَلْقِ إِبْرَامَهُ،فَاللَّهُ هُوَ الْغَالِبُ،وَ الْخَلْقُ هُمُ الْمَغْلُوبُونَ،فَعَلَ هَذَا-يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ-فُلاَنٌ وَ فُلاَنٌ،إِلَى أَنْ ذَكَرَ الْعَشَرَةَ بِمُوَاطَأَةٍ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَ عِشْرِينَ،هُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)فِي طَرِيقِهِ.
ثُمَّ دَبَّرُوا هُمْ عَلَى أَنْ يَقْتُلُوا رَسُولَ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)عَلَى الْعَقَبَةِ،وَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ وَرَاءِ حِيَاطَةِ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،وَ وَلِيُّ اللَّهِ لاَ يَغْلِبُهُ الْكَافِرُونَ،فَأَشَارَ بَعْضُ أَصْحَابِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)بِأَنْ يُكَاتِبَ رَسُولَ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)بِذَلِكَ،وَ يَبْعَثَ رَسُولاً مُسْرِعاً،فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ-يَعْنِي جَبْرَئِيلَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)-إِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)أَسْرَعُ،وَ كِتَابَهُ إِلَيْهِ أَسْبَقُ،فَلاَ يُهِمَّنَّكُمْ هَذَا.
فَلَمَّا قَرُبَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)مِنَ الْعَقَبَةِ الَّتِي بِإِزَائِهَا فَضَائِحُ الْمُنَافِقِينَ وَ الْكَافِرِينَ نَزَلَ دُونَ الْعَقَبَةِ،ثُمَّ جَمَعَهُمْ،فَقَالَ لَهُمْ:هَذَا جَبْرَئِيلُ الرُّوحُ الْأَمِينُ،يُخْبِرُنِي أَنَّ عَلِيّاً دُبِّرَ عَلَيْهِ كَذَا وَ كَذَا،فَدَفَعَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَنْهُ بِأَلْطَافِهِ وَ عَجَائِبِ مُعْجِزَاتِهِ بِكَذَا وَ كَذَا،وَ أَنَّهُ صَلَّبَ الْأَرْضَ تَحْتَ حَافِرِ دَابَّتِهِ،وَ أَرْجُلِ أَصْحَابِهِ،ثُمَّ انْقَلَبَ عَلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ عَلِيٌّ وَ كَشَفَ عَنْهُ فَرُئِيَتِ الْحَفِيرَةُ،ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَأَمَهَا كَمَا كَانَتْ لِكَرَامَتِهِ عَلَيْهِ،وَ إِنَّهُ قِيلَ لَهُ:كَاتِبْ بِهَذَا،وَ أَرْسِلْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ.فَقَالَ:رَسُولُ اللَّهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ أَسْرَعُ،وَ كِتَابُهُ إِلَيْهِ أَسْبَقُ.وَ لَمْ يُخْبِرْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)بِمَا قَالَ عَلِيٌّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)عَلَى بَابِ الْمَدِينَةِ:إِنَّ مَنْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ مُنَافِقِينَ سَيَكِيدُونَهُ،وَ يَدْفَعُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَنْهُ.
فَلَمَّا سَمِعَ الْأَرْبَعَةُ وَ الْعِشْرُونَ أَصْحَابُ الْعَقَبَةِ مَا قَالَهُ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)فِي أَمْرِ عَلِيٍّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ:
مَا أَمْهَرَ مُحَمَّداً بِالْمَخْرَقَةِ [٢]!إِنَّ فَيْجاً [٣] أَتَاهُ مُسْرِعاً،أَوْ طَيْراً مِنَ الْمَدِينَةِ مِنْ بَعْضِ أَهْلِهِ وَقَعَ عَلَيْهِ!أَنَّ عَلِيّاً قُتِلَ بِحِيلَةِ كَذَا وَ كَذَا،وَ هُوَ الَّذِي وَاطَأَنَا عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا،فَهُوَ الْآنَ لَمَّا بَلَغَهُ كَتَمَ الْخَبَرَ،وَ قَلَبَهُ إِلَى ضِدِّهِ يُرِيدُ أَنْ يُسَكِّنَ مَنْ مَعَهُ لِئَلاَّ يَمُدُّوا أَيْدِيَهُمْ عَلَيْهِ،وَ هَيْهَاتَ-وَ اللَّهِ-مَا لَبَّثَ عَلِيّاً بِالْمَدِينَةِ إِلاَّ حَتْفُهُ [٤]،وَ لاَ أَخْرَجَ مُحَمَّداً إِلَى هَاهُنَا إِلاَّ حَتْفُهُ [٥]،وَ قَدْ هَلَكَ عَلِيٌّ،وَ هُوَ هَاهُنَا هَالِكٌ لاَ مَحَالَةَ،وَ لَكِنْ تَعَالَوْا حَتَّى نَذْهَبَ إِلَيْهِ وَ نُظْهِرَ لَهُ السُّرُورَ بِأَمْرِ عَلِيٍّ لِيَكُونَ أَسْكَنَ لِقَلْبِهِ إِلَيْنَا،إِلَى أَنْ نُمْضِيَ فِيهِ تَدْبِيرَنَا،فَحَضَرُوهُ وَ هَنَّئُوهُ عَلَى سَلاَمَةِ عَلِيٍّ مِنَ الْوَرْطَةِ الَّتِي رَامَهَا أَعْدَاؤُهُ.ثُمَّ قَالُوا لَهُ:يَا رَسُولَ اللَّهِ،أَخْبِرْنَا عَنْ عَلِيٍّ،أَ هُوَ أَفْضَلُ أَمْ مَلاَئِكَةُ اللَّهِ الْمُقَرَّبُونَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):وَ هَلْ شُرِّفَتِ الْمَلاَئِكَةُ إِلاَّ بِحُبِّهَا لِمُحَمَّدٍ وَ عَلِيٍّ،وَ قَبُولِهَا لِوَلاَيَتِهِمَا؟إِنَّهُ لاَ أَحَدَ مِنْ مُحِبِّي عَلِيٍّ قَدْ نَظَّفَ قَلْبَهُ مِنْ قَذَرِ الْغِشِّ وَ الدَّغَلِ وَ الْغِلِّ وَ نَجَاسَاتِ الذُّنُوبِ إِلاَّ كَانَ أَظْهَرَ وَ أَفْضَلَ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ،
[١] كفل الدابّة:العجز.«القاموس المحيط-كفل-٤:٤٦».
[٢] المخرقة:يراد بها هنا الافتراء و الكذب.
[٣] قال في اللسان:و في الحديث ذكر الفيج،و هو المسرع في مشيه،الذي يحمل الأخبار من بلد إلى بلد.«لسان العرب-فيج-٢:٣٥٠».
[٤] [٥] في المصدر:حينه.