دانشنامه اميرالمؤمنين بر پايه قرآن، حديث و تاريخ - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٢٠٠ - فصل دهم آخرين خطبه امام
بَل إن كُنتَ صادِقاً أيُّهَا المُتَكَلِّفُ لِوَصفِ رَبِّكَ فَصِف جَبرائيلَ وميكائيلَ وجُنودَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبينَ في حُجُراتِ القُدُسِ مُرجَحِنّينَ[١]، مُتَوَلِّهَةً عُقولُهُم أن يَحُدّوا أحسَنَ الخالِقينَ. فَإِنَّما يُدرَكُ بِالصِّفاتِ ذَوُو الهَيئاتِ وَالأَدَواتِ، ومَن يَنقَضي إذا بَلَغَ أمَدَ حَدِّهِ بِالفَناءِ؛ فَلا إلهَ إلّا هُوَ، أضاءَ بِنورِهِ كُلَّ ظَلامٍ، و أظلَمَ بِظُلمَتِهِ كُلَّ نورٍ.
اوصيكُم عِبادَ اللّهِ بِتَقوَى اللّهِ الَّذي ألبَسَكُمُ الرِّياشَ[٢] و أسبَغَ عَلَيكُمُ المَعاشَ. ولَو أنَّ أحَداً يَجِدُ إلَى البَقاءِ سُلّماً، أو إلى دَفعِ المَوتِ سَبيلًا، لَكانَ ذلِكَ سُلَيمانُ بنُ داووُدَ ٧ الَّذي سُخِّرَ لَهُ مُلكُ الجِنِّ وَالإِنسِ مَعَ النُّبُوَّةِ وعَظيمِ الزُّلفَةِ، فَلَمَّا استَوفى طُعمَتَهُ، وَاستَكمَلَ مُدَّتَهُ، رَمَتهُ قِسِيُّ الفَناءِ بِنِبالِ المَوتِ، و أصبَحَتِ الدِّيارُ مِنهُ خالِيَةً، وَالمَساكِنُ مُعَطَّلَةً، ووَرِثَها قَومٌ آخَرونَ، وإنَّ لَكُم فِي القُرونِ السّالِفَةِ لَعِبرَةً! أينَ العَمالِقَةُ و أبناءُ العَمالِقَةِ! أينَ الفَراعِنَةُ و أبناءُ الفَراعِنَةِ! أينَ أصحابُ مَدائِنِ الرَّسِّ الَّذينَ قَتَلُوا النَّبِيّينَ، و أطفَؤوا سُنَنَ المُرسَلينَ، و أحيَوا سُنَنَ الجَبّارينَ! و أينَ الَّذينَ ساروا بِالجُيوشِ وهَزَموا بِالالوفِ. وعَسكَرُوا العَساكِرَ ومَدَّنُوا المَدائِنَ.
ومِنها: قَد لَبِسَ لِلحِكمَةِ جُنَّتَها، و أخَذَها بِجَميعِ أدَبِها مِنَ الإِقبالِ عَلَيها، وَالمَعرِفَةِ بِها، وَالتَّفَرُّغِ لَها؛ فَهِيَ عِندَ نَفسِهِ ضالَّتُهُ الَّتي يَطلُبُها، وحاجَتُهُ الَّتي يَسأَلُ عَنها؛ فَهُوَ مُغتَرِبٌ إذَا اغتَرَبَ الإِسلامُ، وضَرَبَ بِعَسيبِ[٣] ذَنَبِهِ، و ألصَقَ الأَرضَ بِجِرانِهِ[٤]. بَقِيَّةٌ مِن بَقايا حُجَّتِهِ، خَليفَةٌ مِن خَلائِفِ أنبِيائِهِ.
[١] ارجَحنَّ الشيءُ: إذا مالَ من ثِقلَه وتحرَّك( النهاية: ج ٢ ص ١٩٨« رجحن»).
[٢] الرِّياش: ما ظَهر من اللِّباس( النهاية: ج ٢ ص ٢٨٨« ريش»).
[٣] عسيب الذنَب: مَنبِتُه من الجِلدِ والعظم( لسان العرب: ج ١ ص ٥٩٩« عسب»).
[٤] الجِران، مقدّم عنق البعير من المذبح إلى المنحر، والبعير أقلّ ما يكون نفعه عند بروكه. وإلصاق جِرانه بالأرض كناية عن الضعف.