التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩١ - سورة البقرة(٢) آية ١٢٨
فوق زمزم في أعلى المسجد، و ليس بمكّة يومئذ أحد و ليس بها ماء، فوضعهما هنالك و وضع عندهما جرابا فيه تمر و سقاء فيه ماء، ثمّ قفّى إبراهيم منطلقا فتبعته أمّ إسماعيل فقالت: يا إبراهيم أين تذهب و تتركنا بهذا الوادي الّذي ليس فيه إنس و لا شيء؟ قالت له ذلك مرارا و جعل لا يلتفت إليهما. قالت له: اللّه أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذا لا يضيّعنا، ثمّ رجعت. فانطلق إبراهيم حتّى إذا كان عند الثنيّة حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت ثمّ دعا بهؤلاء الدعوات و رفع يديه قال: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَ ارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ[١].
و جعلت أمّ إسماعيل ترضع إسماعيل و تشرب من ذلك الماء، حتّى إذا نفد ما في السقاء عطشت و عطش ابنها، و جعلت تنظر إليه يتلوّى أو قال: يتلبّط. فانطلقت كراهيّة أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه ثمّ استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا فلم تر أحدا، فهبطت من الصفا حتّى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ثمّ سعت سعي الإنسان المجهود حتّى جاوزت الوادي، ثمّ أتت المروة فقامت عليها و نظرت هل ترى أحدا فلم تر أحدا، ففعلت ذلك سبع مرّات. قال ابن عبّاس: قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «فلذلك سعى الناس بينهما».
فلمّا أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت: صه، تريد نفسها، ثمّ تسمّعت فسمعت صوتا أيضا فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فنجث[٢] بعقبه- أو قال بجناحه- حتّى ظهر الماء، فجعلت تخوضه بيدها و تغرف من الماء في سقائها و هي تفور بعد ما تغرف. قال ابن عبّاس: قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «يرحم اللّه أمّ إسماعيل لو تركت زمزم- أو قال-: لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينا معينا». فشربت و أرضعت ولدها.
فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة فإنّ هاهنا بيتا للّه- عزّ و جلّ- يبنيه هذا الغلام و أبوه، و إنّ اللّه لا يضيع أهله، و كان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه و عن شماله، فكانت كذلك حتّى مرّت بهم رفقة من جرهم أو أهل بيت من جرهم مقبلين من طريق كداء، فنزلوا في أسفل مكّة فرأوا طائرا عائفا[٣] فقالوا: إنّ هذا الطائر ليدور على الماء، لعهدنا بهذا الوادي و ما
[١] إبراهيم ١٤: ٣٧.
[٢] نجث عن الأمر بحث عنه. نجث الشيء: استخرجه.
[٣] عاف الطير: حام على الشيء أو الماء أو الجيف، يريد الوقوع عليه.