التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦٧ - سورة البقرة(٢) الآيات ١٧٢ الى ١٧٣
ينتفع بها.
و تحريم هذه الأشياء ليس عن اعتباط، و إنّما هو عن مضرّة فادحة تؤثّر على النفس فضلا عن إضرارها للجسم. كما:
[٢/ ٤٣٣٤] قال الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السّلام: «و كلّ أمر يكون فيه الفساد ممّا قد نهي عنه من جهة أكله و شربه و لبسه و نكاحه و إمساكه لوجه الفساد، مثل الميتة و الدم و لحم الخنزير، و الربا و جميع الفواحش و لحوم السباع و الخمر و ما أشبه ذلك، فحرام ضارّ للجسم و فساد للنفس»[١].
نعم ليس يقتصر ضرر ما حرّم اللّه على خسائر مادّيّة دنيويّة فحسب، بل يعمّ جانب النفس الروحي و الفكري العقلاني، و لعلّه الأهمّ لمن يحاول الصعود على مدارج الكمال، و الحصول على سلامة القلب و طهارة الروح و خلوص الضمير، و التوجّه إلى البارئ الحكيم.
و من هنا تتجلّى علاقة التحليل و التحريم في هذه الآيات، بالحديث عن وحدانيّة اللّه و خلوص عبادته عن الشوائب و الأكدار.
*** و مع ذلك فإنّ الإسلام يحسب حساب الضرورات- حسب مبدإ رحمته الواسعة- فَمَنِ اضْطُرَّ إلى تناول شيء ممّا حرّمه اللّه غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
نعم، الاضطرار إلى تناول الحرام إنّما يرفع العقاب، إذا لم يكن عن ابتغاء للحرام، و لا تجاوز عن مقدار الضرورة.
أمّا الباغي الّذي مهّد السبيل للوقوع في الاضطرار، المبيح لارتكاب الحرام، فهو و إن كان قد أجيز له التناول، و لكن من غير أن ترتفع عنه عقوبة ارتكاب الحرام، لأنّه اضطرار عن اختيار و عن ابتغاء للحرام.
و كذلك العادي، الّذي تجاوز حدّ الضرورة في تناول الحرام. فالمغفرة و الرحمة لا تشملان هذين، بعد سوء نيّتهما.
[٢/ ٤٣٣٥] أخرج أحمد و مسلم و الترمذي و ابن المنذر و ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: قال
[١] فقه الرضا: ٢٥٠؛ مستدرك الوسائل ١٣: ٦٥.