التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠١ - سورة البقرة(٢) آية ١٥٨
و ذكر محمّد بن إسحاق في كتاب السيرة أنّ إسافا و نائلة كانا بشرين فزنيا داخل الكعبة فمسخا حجرين فنصبتهما قريش تجاه الكعبة ليعتبر بهما الناس، فلمّا طال عهدهما عبدا، ثمّ حوّلا إلى الصفا و المروة فنصبا هنالك، فكان من طاف بالصفا و المروة يستلمهما، و لهذا يقول أبو طالب في قصيدته المشهورة:
|
و حيث ينيخ الأشعرون ركابهم |
لمفضى السيول من أساف و نائل[١] |
|
[٢/ ٤١١٣] و قال الطبرسي رحمه اللّه: و في هذه الآية دلالة على أنّ السعي بين الصفا و المروة عبادة، و لا خلاف في ذلك، و هو عندنا فرض واجب في الحجّ و في العمرة، و به قال الحسن و عائشة، و هو مذهب الشافعي و أصحابه[٢].
قال مالك: من نسي السعي بين الصفا و المروة، في عمرة فلم يذكر حتّى يستبعد من مكّة أنّه يرجع فيسعى، و إن كان قد أصاب النساء، فليرجع فليسع بين الصفا و المروة حتّى يتمّ ما بقي عليه من تلك العمرة، ثمّ عليه عمرة أخرى و الهدي. و سئل مالك، عن الرجل يلقاه الرجل بين الصفا و المروة، فيقف معه يحدّثه؟ فقال: لا أحبّ له ذلك. قال مالك: و من نسي من طوافه شيئا، أو شكّ فيه، فلم يذكر إلّا و هو يسعى بين الصفا و المروة[٣] فإنّه يقطع سعيه. ثمّ يتمّ طوافه بالبيت، على ما يستيقن، و يركع ركعتي الطواف، ثمّ يبتدئ سعيه بين الصفا و المروة[٤].
[٢/ ٤١١٤] و أخرج مالك في الموطّأ و أحمد و البخاري و مسلم و أبو داود و النسائي و ابن ماجة و ابن جرير و ابن أبي داود و ابن الأنباري في المصاحف معا و ابن أبي حاتم و البيهقي في السنن عن عائشة، أنّ عروة قال لها: أ رأيت قول اللّه تعالى: إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما فما أرى على أحد جناحا أن لا يطّوّف بهما؟ فقالت عائشة:
بئسما قلت يا ابن أختي، إنّها لو كانت على ما أوّلتها كانت فلا جناح عليه أن لا يطوّف بهما، و لكنّها إنّما نزلت أنّ الأنصار قبل أن يسلموا كانوا يهلّون لمناة الطاغية الّتي كانوا يعبدونها، و كان من أهلّ
[١] ابن كثير ١: ٢٠٥.
[٢] مجمع البيان ١: ٤٤٦؛ التبيان ٢: ٤٤؛ الثعلبي ٢: ٢٧، ما بمعناه عن الشافعي و مالك؛ البغوي ١: ١٩١.
[٣] أي تذكّر أنّه نقص من طوافه.
[٤] الموطّأ ١: ٣٧٤، باب ٤٢.