التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٢ - سورة البقرة(٢) آية ١٢٨
فيه ماء! فأرسلوا جريّا أو جريّين[١] فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء فأقبلوا. قال: و أمّ إسماعيل عند الماء! فقالوا: أ تاذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم، و لكن لا حقّ لكم في الماء، قالوا: نعم. قال ابن عبّاس قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «فألفى ذلك أمّ إسماعيل و هي تحبّ الأنس»[٢].
فنزلوا و أرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم حتّى إذا كان بها أهل أبيات منهم، و شبّ الغلام و تعلّم العربيّة منهم و أنفسهم و أعجبهم حين شبّ، فلمّا أدرك زوّجوه امرأة منهم و ماتت أمّ إسماعيل، فجاء إبراهيم بعد ما تزوّج إسماعيل يطالع تركته فلم يجد إسماعيل، فسأل زوجته عنه! فقالت: خرج يبتغي لنا. ثمّ سألها عن عيشهم و هيئتهم؟ فقالت: نحن بشرّ نحن في ضيق و شدّة و شكت إليه. قال:
إذا جاء زوجك فاقرئي عليه السّلام و قولي له: يغيّر عتبة بابه!
فلمّا جاء إسماعيل كأنّه آنس شيئا! فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم، جاءنا شيخ كذا و كذا، فسألني عنك فأخبرته، و سألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أنّا في جهد و شدّة. قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السّلام، و يقول: غيّر عتبة بابك! قال: ذاك أبي و أمرني أن افارقك فالحقي بأهلك، فطلّقها و تزوّج منهم اخرى، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء اللّه، ثمّ أتاهم بعد ذلك فلم يجده، فدخل على امرأته فسألها عنه فقالت: خرج يبتغي لنا. قال: كيف أنتم؟ و سألها عن عيشهم و هيئتهم فقالت: نحن بخير وسعة و أثنت على اللّه! فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم. قال:
فما شرابكم؟ قالت: الماء. قال: اللّهمّ بارك لهم في اللحم و الماء. قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «و لم يكن لهم يومئذ حبّ، و لو كان لهم حبّ لدعا لهم فيه». قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكّة إلّا لم يوافقاه[٣]. قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السّلام و مريه يثبّت عتبة بابه!
فلمّا جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة و أثنت عليه، فسألني عنك فأخبرته، و سألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أنّا بخير. قال: أما أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، هو يقرأ عليك السّلام و يأمرك أن تثبّت عتبة بابك، قال: ذاك أبي و أنت العتبة فأمرني أن أمسكك!
ثمّ لبث عنهم ما شاء اللّه، ثمّ جاء بعد ذلك و إسماعيل يبري نبلا تحت دوحة قريبا من زمزم،
[١] الجريّ: الرسول، المستخبر.
[٢] أي وجد هؤلاء أمّ إسماعيل.( فتح الباري ابن حجر ٦: ٢٨٦).
[٣] أي لم يتذوّقهما بغير مكّة إلّا آذاه و لم يوافقاه. أي اشتكى بطنه.( الفتح ٦: ٢٨٨).