التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٣١ - باب القصد في العبادة
قوله: «و أبشروا» أي بالثواب على العمل الدائم و إن قلّ. قال ابن حجر: و المراد بالتبشير هنا تبشير من عجز عن العمل بالأكمل، بأنّ العجز إذا لم يكن من صنيعه، لا يستلزم نقص أجره، و أبهم المبشّر به تعظيما له و تفخيما[١].
قوله: «و استعينوا بالغدوة و الرّوحة و شيء من الدّلجة» أي استعينوا على مداومة العبادة بإيقاعها في الأوقات المنشّطة. و الغدوة- بالضمّ- البكرة أو ما بين صلاة الغداة و طلوع الشمس، كما قال الجوهري[٢]. و الغدوة- بالفتح- سير أوّل النهار، نقيض الرّوحة: السير بعد العصر، و الدّلجة- بضمّ أوّله و فتحه و إسكان اللام- سير آخر الليل.
و أنشدوا للإمام أمير المؤمنين عليه السّلام:
|
اصبر على السّير و الإدلاج في السّحر |
و في الرّواح على الحاجات و البكر |
|
فجعل الإدلاج في السّحر[٣].
قال ابن حجر: و هذه الأوقات أطيب أوقات المسافر، و كأنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم خاطب مسافرا إلى مقصد، فنبّهه على أوقات نشاطه، لأنّ المسافر إذا سافر الليل و النهار جميعا، عجز و انقطع. و إذا تحرّى السير في هذه الأوقات المنشّطة، أمكنته المداومة من غير مشقّة.
قال: و حسن هذه الاستعارة، أنّ الدنيا- في الحقيقة- دار نقلة إلى الآخرة، و أنّ هذه الأوقات بخصوصها أروح ما يكون فيها البدن للعبادة[٤].
[٢/ ٤٨٦٧] أخرج البخاري بالإسناد إلى ابن أبي ذئب عن سعيد المقبريّ عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «لن ينجّي أحدا منكم عمله! قالوا: و لا أنت، يا رسول اللّه؟ قال: و لا أنا، إلّا أن يتغمّدني اللّه برحمة. ثمّ قال: سدّدوا و قاربوا و اغدوا و روحوا و شيء من الدّلجة، و القصد القصد، تبلغوا»[٥].
قال ابن حجر: «القصد القصد» بالنصب فيهما على الحثّ و الإغراء. و القصد: الأخذ بالأمر
[١] المصدر ١: ٨٨.
[٢] الصحاح ٦: ٢٤٤٤.« مادة غدا»؛ اللسان ١٥: ١١٦؛ النهاية ٣: ٣٤٦.
[٣] النهاية لابن الأثير ٢: ١٢٩؛ اللسان ٢: ٢٧٣.
[٤] فتح الباري ١: ٨٨.
[٥] البخاري ٨: ١٢٢، كتاب الرقاق، باب القصد و المداومة على العمل؛ مسند أحمد ٢: ٥١٤ و ٥٣٧.