التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٢ - العهد هي الإمامة
قوله تعالى: لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ و العهد هنا بقرينة المقام هو عهد الإمامة من قبله تعالى ليكون قدوة للناس و قائدا صالحا يقودهم إلى ساحل النجاة و هذا لا يصلح له إلّا من استقامت سريرته و لم تأخذه الأهواء إلى حيث مهاوي الضلال. إذ:
[٢/ ٣٢٠٦] «لا يكون السفيه إمام التقيّ». كما قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليه السّلام[١]. الأمر الذي تؤكّد عليه الآية الكريمة: أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ؟![٢].
نعم من لا يرحم نفسه و يظلمها بارتكاب الفجور، فيا ترى كيف يرحم غيره و لا يقودهم إلى مهاوي الضلال. و هكذا كمثل فرعون: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ[٣]. وَ أَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَ ما هَدى[٤] و سوف يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ[٥].
فمن ضعفت شكيمته عن إلجام نفسه، فهو عن قدرته على قيادة قومه أعجز.
و ها هي قاعدة كلّيّة عرضتها الآية الكريمة لتكون دستورا خالدا لكلّ قيادة حكيمة و كان مبتغاها إعلاء كلمة اللّه في الأرض، و ما هي إلّا خلافة اللّه في الأرض يرثها الصالحون من عباده الأمناء.
و هكذا استدلّ الإمام الشافعي على ضرورة كون الإمام عدلا. قال: لأنّه لا ينظر لنفسه فكيف ينظر لغيره؟![٦] و سيأتي الكلام في ذلك في شيء من التفصيل.
العهد هي الإمامة
قال أبو جعفر الطبري: هذا العهد الذي ابتغاه إبراهيم لذرّيّته، هو عهد الإمامة. و ذلك أنّ إبراهيم لمّا رفع اللّه منزلته و كرّمه فأعلمه ما هو صانع به من تصييره إماما في الخيرات لمن في عصره و لمن جاء بعده يهتدى بهديه و يقتدى بأفعاله و أخلاقه. قال: يا ربّ، و من ذرّيّتى فاجعل أئمّة يقتدى بهم
[١] الكافي ١: ١٧٥/ ٢.
[٢] يونس ١٠: ٣٥.
[٣] الزخرف ٤٣: ٥٤.
[٤] طه ٢٠: ٧٩.
[٥] هود ١١: ٩٨.
[٦] شرح العقائد النسفيّة، للتفتازاني: ١١٤( ط: كابل).