التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥١ - ملحوظة
ذلك طلبا منه أن يجعل من ذرّيّته أئمّة، كما طلب أن يجنّبهم عبادة الأصنام: وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ[١]. قال: و هذا الذي قاله الجبّائي ليس في الكلام ما يدلّ عليه، بل الظاهر خلافه.[٢]
قلت: و ما ذكره الجبّائي أقرب إلى أدب الأنبياء، لا يسألون اللّه إلحافا و لا يحمّلون في مسألتهم للّه فلا يسأل اللّه نبيّ أن يجعل من ولده نبيّا أو إماما، و هو منصب إلهي، و اللّه أعلم حيث يجعل رسالته.
ملحوظة
قد يتأيّد كون سؤال إبراهيم طلبا لا مجرّد استعلام، بأنّ طلب الذرّيّة و كونهم صالحين من خير آمال أهل الإيمان و الصلاح، و جري مع سنّة اللّه الحكيمة في الخلق. و قد جاء مدحه في القرآن الكريم: وَ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَ ذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَ اجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً[٣].
غير أنّ الإمامة هنا بمعنى الأسوة، ليشتمل الذراري على جماع أوصاف الكمال، و ليتّخذهم المتّقون- و هم المتعهّدون في حياتهم الإنسانيّة الكريمة- أسوة يسيرون على منهجهم في مسيرة الصلاح و الفلاح.
أمّا الإمامة في سؤال إبراهيم فهي بمعنى القدوة، و ليقوموا بقيادة الأمّة إلى حيث الفلاح و النجاح نظير الإمامة التي منحها اللّه لإبراهيم في لزوم اتّباعه و إطاعته[٤]، امتدادا لإطاعة اللّه المفروضة على العباد.
و الخلاصة: أنّ الإمامة هنا هي الرئاسة العامّة في شئون الدين و الدنيا، الأمر الذي يفوق مسألة التأسّي بذوي الصلاح؟!
[١] البقرة ٢: ٣٥.
[٢] التبيان ١: ٤٤٧. و هكذا ذكر الرازي عن بعضهم: أنّه سؤال على سبيل الاستعلام.( التفسير الكبير ٤: ٤٠)
[٣] الفرقان ٢٥: ٧٤. و راجع: تفسير التسنيم للآملي ٦: ٤٦٨.
[٤] قال الجصّاص: فثبت بدلالة الآية بطلان إمامة الفاسق. و أنّ من نصب نفسه لهذا المنصب و هو فاسق، لم يلزم الناس اتّباعه و لا طاعته. حيث قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:« لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق».( أحكام القرآن ١: ٧٠).