التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٩ - الكلمات التي ابتلي بها إبراهيم عليه السلام
معانقة الرجل الرجل إذا هو لقيه؟ قال: «كانت تحيّة الأمم. و في لفظ: كانت تحيّة أهل الإيمان و خالص ودّهم، و إنّ أوّل من عانق خليل الرحمن، فإنّه خرج يوما يرتاد لماشيته في جبل من جبال بيت المقدس، إذ سمع صوت مقدّس يقدّس اللّه تعالى، فذهل عمّا كان يطلب، فقصد قصد الصوت، فإذا هو بشيخ طوله ثمانية عشر ذراعا أهلب[١] يوحّد اللّه- عزّ و جلّ- فقال له إبراهيم: يا شيخ من ربّك؟ قال: الذي في السماء! قال: من ربّ الأرض؟ قال: الذي في السماء! قال: فيها ربّ غيره؟! قال: ما فيها ربّ غيره، لا إله إلّا هو وحده.
قال إبراهيم: فأين قبلتك؟ قال: إلى الكعبة! فسأله عن طعامه فقال: أجمع من هذه الثمرة في الصيف فآكله في الشتاء! قال: هل بقي معك أحد من قومك؟ قال: لا. قال: أين منزلك؟ قال: تلك المغارة. قال: اعبر بنا إلى بيتك. قال: بيني و بينها واد لا يخاض. قال: فكيف تعبره؟ فقال: أمشي عليه ذاهبا و أمشي عليه عائدا. قال: انطلق بنا فلعلّ الذي ذلّله لك يذلّله لي!
فانطلقا حتّى انتهيا، فمشيا جميعا عليه، كلّ واحد منهما يعجب من صاحبه، فلمّا دخلا المغارة فإذا بقبلته قبلة إبراهيم! قال له ابراهيم: أيّ يوم خلق اللّه أشدّ؟ قال الشيخ: ذلك اليوم الذي يضع كرسيّه للحساب؛ يوم تسعّر جهنّم لا يبقى ملك مقرّب و لا نبيّ مرسل إلّا خرّ يهمّه نفسه. قال له إبراهيم: ادع اللّه يا شيخ أن يؤمّنّي و إيّاك من هول ذلك اليوم! قال الشيخ: و ما تصنع بدعائي و لي في السماء دعوة محبوسة منذ ثلاث سنين؟ قال إبراهيم: أ لا أخبرك ما حبس دعاءك؟ قال: بلى! قال:
إنّ اللّه- عزّ و جلّ- إذا أحبّ عبدا احتبس مسألته، يحبّ صوته، ثمّ جعل له على كلّ مسألة ذخرا لا يخطر على قلب بشر، و إذا أبغض اللّه عبدا عجّل له حاجته أو ألقى الأياس في صدره ليقبض صوته، فما دعوتك التي هي في السماء محبوسة؟
قال: مرّ بي هاهنا شابّ في رأسه ذؤابة منذ ثلاث سنين و معه غنم، قلت: لمن هذه؟ قال: لخليل اللّه إبراهيم. قلت: اللهمّ إن كان لك في الأرض خليل فأرنيه قبل خروجي من الدنيا! قال له إبراهيم عليه السّلام: قد أجيبت دعوتك، ثمّ اعتنقا؛ فيومئذ كان أصل المعانقة، و كان قبل ذلك السجود، هذا
[١] كثير الشعر.