التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٨ - الكلمات التي ابتلي بها إبراهيم عليه السلام
رأى إبراهيم سارة تبكي فبكى لبكائها؟ فلمّا رأى ملك الموت إبراهيم يبكي بكى لبكائه. ثمّ صعد ملك الموت؛ فلمّا ارتقى غضب إبراهيم، فقال: بكيتم في وجه ضيفي حتّى ذهب. فقال إسحاق: لا تلمني يا أبت فإنّي رأيت ملك الموت معك، لا أرى أجلك إلّا قد حضر فأرث في أهلك. أي: أوصه، و كان لإبراهيم بيت يتعبّد فيه فإذا خرج أغلقه لا يدخله غيره، فجاء إبراهيم ففتح بيته الذي يتعبّد فيه فإذا هو برجل جالس، فقال إبراهيم: من أدخلك، بإذن من دخلت؟! قال: بإذن ربّ البيت! قال:
ربّ البيت أحقّ به، ثمّ تنحّى في ناحية البيت فصلّى و دعا كما كان يصنع، و صعد ملك الموت، فقيل له: ما رأيت؟ قال: يا ربّ جئتك من عند عبدك ليس بعده في الأرض خير. قيل له: ما رأيت منه؟
قال: ما ترك خلقا من خلقك إلّا قد دعا له بخير في دينه و في معيشته.
ثمّ مكث إبراهيم عليه السّلام ما شاء اللّه، ثمّ جاء ففتح بابه فإذا هو برجل جالس، قال له: من أنت؟ قال:
إنّما أنا ملك الموت! قال إبراهيم: إن كنت صادقا فأرني آية أعرف أنّك ملك الموت! قال: أعرض بوجهك يا إبراهيم. قال: ثمّ أقبل فأراه الصورة التي يقبض بها المؤمنين، فرأى شيئا من النور و البهاء لا يعلمه إلّا اللّه، ثمّ قال: أعرض بوجهك. ثمّ قال: انظر فأراه الصورة التي يقبض فيها الكفّار و الفجّار، فرعب إبراهيم رعبا حتّى ألصق بطنه بالأرض، كادت نفس إبراهيم تخرج، فقال: أعرف، فانظر الذي أمرت به فامض له.
فصعد ملك الموت فقيل له: تلطّف بإبراهيم، فأتاه و هو في عنب له[١] و هو في صورة شيخ كبير لم يبق منه شيء، فلمّا رآه إبراهيم رحمه فأخذ مكتلا ثمّ دخل عنبه فقطف من العنب في مكتله، ثمّ جاء فوضعه بين يديه فقال: كل. فجعل يمضغ و يريه أنّه يأكل و يمجّه على لحيته و على صدره، فعجب إبراهيم فقال: ما أبقت السنّ منك شيئا كم أتى لك؟ فحسب مدّة إبراهيم، فقال: أمالي كذا و كذا؟! فقال إبراهيم: قد أتي لي هذا، إنّما أنتظر أن أكون مثلك. اللهمّ اقبضني إليك، فطابت نفس إبراهيم على نفسه و قبض ملك الموت نفسه تلك الحال.[٢]
[٢/ ٣٢٠٣] و أخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الإخوان و الخطيب في تاريخه و الديلمي في مسند الفردوس و الغسولي في جزئه المشهور، و اللفظ له، عن تميم الداري: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم سئل عن
[١] أي كرم و هو بستان العنب.
[٢] الدرّ ١: ٢٨٦- ٢٨٧؛ الحلية ٦: ٢٧- ٢٩؛ ابن عساكر ٦: ٢٥٣- ٢٥٥.