التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٢٥ - سورة البقرة(٢) الآيات ١٧٨ الى ١٧٩
إلى السلطان بالذي يرى فيه من العقوبة. قال: و لو عفا عنه لم يكن لأحد من طلبة الحقّ أن يعفو، لأنّ هذا من الأمر الّذي أنزل اللّه فيه قوله: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَ الرَّسُولِ و أولي الأمر منكم[١].
[٢/ ٤٤٩٢] و عن الحسن في رجل قتل فأخذت منه الدية، ثمّ إن وليّه قتل به القاتل، قال الحسن:
تؤخذ منه الدية الّتي أخذ و لا يقتل به.
قال أبو جعفر: و أولى التأويلين بقوله: فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ تأويل من قال:
فمن اعتدى بعد أخذه الدية، فقتل قاتل وليّه، فله عذاب أليم في عاجل الدنيا و هو القتل؛ لأنّ اللّه تعالى جعل لكلّ وليّ قتيل قتل ظلما سلطانا على قاتل وليّه، فقال تعالى ذكره: وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ[٢]. فإذ كان ذلك كذلك و كان الجميع من أهل العلم مجمعين على أنّ من قتل قاتل وليّه بعد عفوه عنه و أخذه منه دية قتيله أنّه بقتله إيّاه له ظالم في قتله، كان بيّنا أن لا يولّي من قتله ظلما كذلك السلطان عليه في القصاص و العفو و أخذ الدية، أيّ ذلك شاء. و إذا كان ذلك كذلك كان معلوما أنّ ذلك عذابه، لأنّ من أقيم عليه حدّه في الدنيا كان ذلك عقوبته من ذنبه و لم يكن به متّبعا في الآخرة، على ما قد ثبت به الخبر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم[٣].
و أمّا ما قاله ابن جريج من أنّ حكم من قتل قاتل وليّه بعد عفوه عنه و أخذه دية وليّه المقتول إلى الإمام دون أولياء المقتول، فقول خلاف لما دلّ عليه ظاهر كتاب اللّه و أجمع عليه علماء الأمّة.
و ذلك أنّ اللّه جعل لوليّ كلّ مقتول ظلما السلطان دون غيره من غير أن يخصّ من ذلك قتيلا دون قتيل، فسواء كان ذلك قتيل ولي من قتله أو غيره. و من خصّ من ذلك شيئا سئل البرهان عليه من
[١] النساء ٤: ٥٩.
[٢] الإسراء ١٧: ٣٣.
[٣] كالّذي رواه الإمام أحمد في المسند( ٥: ٣٢٣) عن عبادة بن الصامت قال:« كنت فيمن حضر العقبة الأولى و كنّا اثني عشر رجلا، فبايعنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم على بيعة النساء و ذلك قبل أن يفترض الحرب؛ على أن لا نشرك باللّه شيئا و لا نسرق و لا نزني و لا نقتل أولادنا و لا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا و أرجلنا و لا نعصيه في معروف، فإن وفيتم فلكم الجنّة، و إن غشيتم في ذلك شيئا فأمركم إلى اللّه إن شاء عذّبكم و إن شاء غفر لكم». و رواه بنحوه البخاري في الحدود باب ١٤، و مناقب الأنصار باب ٤٣، و الإيمان باب ١١، و الأحكام باب ٤٩، و التوحيد باب ٣١. و النسائي في البيعة باب ٩ و ١٧ و ١٨. و مالك في البيعة حديث ٢.