التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤١٧ - سورة البقرة(٢) الآيات ١٧٨ الى ١٧٩
عندي مأخوذ من الكتاب الّذي هو رسم و خطّ، و ذلك أنّ اللّه تعالى ذكره قد كتب جميع ما فرض على عباده و ما هم عاملوه في اللوح المحفوظ، فقال تعالى ذكره في القرآن: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ[١] و قال: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ. فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ[٢] فقد تبيّن بذلك أنّ كلّ ما فرضه علينا ففي اللوح المحفوظ مكتوب.
فمعنى قوله- إذ كان ذلك كذلك-: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ: كتب عليكم في اللوح المحفوظ القصاص في القتلى فرضا أن لا تقتلوا بالمقتول غير قاتله.
و أمّا القصاص فإنّه من قول القائل: قاصصت فلانا حقيّ قبله من حقّه قبلي، قصاصا و مقاصّة فقتل القاتل بالذي قتله قصاص، لأنّه مفعول به، مثل الّذي فعل بمن قتله، و إن كان أحد الفعلين عدوانا و الآخر حقّا، فهما و إن اختلفا من هذا الوجه، فهما متّفقان في أنّ كلّ واحد قد فعل بصاحبه مثل الّذي فعل صاحبه به، و جعل فعل وليّ القتيل الأوّل إذا قتل قاتل وليّه قصاصا، إذ كان بسبب قتله استحقّ قتل من قتله، فكأنّ وليّه المقتول هو الّذي ولي قتل قاتله فاقتصّ منه.
و أمّا القتلى، فإنّها جمع قتيل، كما الصرعى جمع صريع، و الجرحى جمع جريح. و إنّما يجمع الفعيل على الفعلى، إذا كان صفة للموصوف به بمعنى الزمانة و الضرر الّذي لا يقدر معه صاحبه على البراح من موضعه و مصرعه، نحو القتلى في معاركهم، و الصرعى في مواضعهم، و الجرحى و ما أشبه ذلك.
فتأويل الكلام إذن: فرض عليكم أيّها المؤمنون القصاص في القتلى أن يقتصّ الحرّ بالحرّ، و العبد بالعبد، و الأنثى بالأنثى. ثمّ ترك ذكر «أن يقتصّ» اكتفاء بدلالة قوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ عليه.
*** و قال في تأويل قوله تعالى: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَ أَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ: اختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم: تأويله: فمن ترك له من القتل ظلما من الواجب كان لأخيه عليه من القصاص، و هو الشيء الّذي قال اللّه: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ من العافي
[١] البروج ٨٥: ٢١، ٢٢.
[٢] الواقعة ٥٦: ٧٧ و ٧٨.