التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤١٦ - سورة البقرة(٢) الآيات ١٧٨ الى ١٧٩
فيؤخذ بالأنثى الذكر، و بالعبد الحرّ. و إمّا القول الآخر، و هو أن تكون الآية نزلت في قوم بأعيانهم خاصّة، أمر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن يجعل ديات قتلاهم قصاصا بعضها من بعض، كما قاله السدّي و من ذكرنا قوله، و قد أجمع الجميع لا خلاف بينهم على أنّ المقاصّة في الحقوق غير واجبة، و أجمعوا على أنّ اللّه لم يقض في ذلك قضاء ثمّ نسخه، و إذا كان كذلك و كان قوله تعالى ذكره: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ ينبئ عن أنّه فرض كان معلوما أنّ القول خلاف ما قاله قائل هذه المقالة، لأنّ ما كان فرضا على أهل الحقوق أن يفعلوه، فلا خيار لهم فيه و الجميع مجمعون على أنّ لأهل الحقوق الخيار في مقاصّتهم حقوقهم، بعضها من بعض. فإذا تبيّن فساد هذا الوجه الّذي ذكرنا، فالصحيح من القول في ذلك هو ما قلنا!
فإن قال قائل- إذ ذكرت أنّ معنى قوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ بمعنى: فرض عليكم القصاص-: لا يعرف لقول القائل «كتب» معنى إلّا معنى خط ذلك فرسم خطا و كتابا، فما برهانك على أنّ معنى قوله: «كتب» فرض؟ قيل: إنّ ذلك في كلام العرب موجود، و في أشعارهم مستفيض، و منه قول الشاعر[١]:
|
كتب القتل و القتال علينا |
و على المحصنات جرّ الذيول[٢] |
|
و قول نابغة بني جعدة:
|
يا بنت عمّي كتاب اللّه أخرجني |
عنكم فهل أمنعنّ اللّه ما فعلا[٣] |
|
و ذلك أكثر في أشعارهم و كلامهم من أن يحصى. غير أنّ ذلك و إن كان بمعنى فرض، فإنّه
[١] هو عمر بن أبي ربيعة، و البيت في ديوانه( ص ٤٦٤- طبع القاهرة، السعادة) من ثلاثة أبيات هي:
|
إنّ من أعظم الكبائر عندي |
قتل حسناء غادة عطبول |
|
|
قتلت باطلا على غير ذنب |
إنّ للّه درّها من قتيل |
|
|
كتب القتل و القتال علينا |
و على المحصنات جرّ الذيول |
|
[٢] المحصنات: النساء المتزوّجات.
[٣] البيت في اللسان( مادّة كتب) أورده شاهدا على أنّ الكتاب بمعنى الفرض، كما استشهد به المؤلّف. و فيه« يا ابنة» مكان« يا بنت».