التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤١١ - سورة البقرة(٢) الآيات ١٧٨ الى ١٧٩
و لأبي جعفر الطبري هنا كلام ضاف يشتمل على فوائد و فرائد نذكره بنصّه:
قال: يعني تعالى ذكره بقوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى فرض عليكم!
فإن قال قائل: أفرض على وليّ القتيل القصاص من قاتل وليّه؟ قيل: لا؛ و لكنّه مباح له ذلك، و العفو، و أخذ الدية!
فإن قال قائل: و كيف قال: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ قيل: إنّ معنى ذلك على خلاف ما ذهبت إليه، و إنّما معناه: يا أيها الّذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى، الحرّ بالحرّ، و العبد بالعبد، و الأنثى بالأنثى. أي أن الحرّ إذا قتل الحرّ، فدم القاتل كفء لدم القتيل، و القصاص منه دون غيره من الناس، فلا تجاوزوا بالقتل إلى غيره ممّن لم يقتل، فإنّه حرام عليكم أن تقتلوا بقتيلكم غير قاتله! و الفرض الّذي فرض اللّه علينا في القصاص هو ما وصفت من ترك المجاوزة بالقصاص قتل القاتل بقتيله إلى غيره، لا أنّه وجب علينا القصاص فرضا وجوب فرض الصلاة و الصيام، حتّى لا يكون لنا تركه. و لو كان ذلك فرضا لا يجوز لنا تركه لم يكن لقوله: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ معنى مفهوم، لأنّه لا عفو بعد القصاص؛ فيقال: فمن عفي له من أخيه شيء!
و قد قيل: إنّ معنى القصاص في هذه الآية مقاصّة ديات بعض القتلى بديات بعض؛ و ذلك أنّ الآية عندهم نزلت في حزبين تحاربوا على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فقتل بعضهم بعضا، فأمر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن يصلح بينهم، بأن تسقط ديات نساء أحد الحزبين بديات نساء الآخرين، و ديات رجالهم بديات رجالهم، و ديات عبيدهم بديات عبيدهم قصاصا، فذلك عندهم معنى القصاص في هذه الآية.
فإن قال قائل: فإنّه- تعالى- ذكره قال: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَ الْأُنْثى بِالْأُنْثى فما لنا أن نقتصّ للحرّ إلّا من الحرّ، و لا للأنثى إلّا من الأنثى؟ قيل: بل لنا أن نقتصّ للحرّ من العبد و للأنثى من الذكر، بقول اللّه تعالى ذكره: وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً[١] و
[١] الإسراء ١٧: ٣٣.