التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٠٥ - سورة البقرة(٢) الآيات ١٧٨ الى ١٧٩
قال تعالى:
[سورة البقرة (٢): الآيات ١٧٨ الى ١٧٩]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَ الْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَ أَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ رَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)
هذا الدرس جانب من التنظيمات الاجتماعيّة للمجتمع المسلم، منذ نشأته الأولى في المدينة. جاءت منظّمة إلى تكاليف عباديّة و معامليّة، و متعقّبة لآية البرّ الّتي استوعبت قواعد التصوّر الإيماني و قواعد السلوك العملي في محاوريها السداسيّة الآنفة.
و في هذا الدرس حديث عن القصاص في القتلى و تشريعاته و فيها ضمان للحفاظ على الحياة في وجه عامّ.
تبدأ الآية بالنداء للذين آمنوا، بهذه الصفة الّتي تستدعي التلقّي من اللّه الّذي آمنوا به، فلا ينبغي التهاون بشأنه ما دام الإيمان راسخا في القلوب و ينتهي النداء ببيان حكمة هذا التشريع، و يوقظ فيهم التعقّل و التدبّر لهذه الحكمة، كما يستجيش في قلوبهم شعور التقوى، و هو صمّام الأمن في مجال القتلى و القصاص.
*** و هذا التشريع الّذي بيّنته الآية بشأن القصاص في القتلى- في حالة العمد- أنّه يقتل الحرّ بالحرّ، و العبد بالعبد، و الأنثى بالأنثى، هو الّذي يقتضيه العدل في رعاية الحقوق و حفظ الدماء.
لكن هناك ظاهرة إنسانيّة نبيلة، ظاهرة العفو و السماح، في مجال الفضل و الإحسان، قد تؤثّر في أريحيّة كلّ إنسان شعر بالتعالي عن خسائس النفس و متطلّباتها الوقتيّة المحدودة.
إذن فليشعر الإنسان- مهما أغذّته ثورة الغضب و دعته إلى الانتقام، و هو حقّ و عدل- فليشعر من وراء هذا الغبار الغليظ، أنّ الّذي ظلمه و تعدّى الحدود المضروبة دونه، أخوه و من بني جلدته