التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨٨ - سورة البقرة(٢) آية ١٧٧
و هكذا جمعت آية واحدة بين أصول الاعتقاد، و تكاليف النفس و المال، و جعلتها كلّا لا يتجزّأ، و وحدة لا تنفصم. و وضعت على هذا كلّه عنوانا واحدا هو: «البرّ» أو هو «جماع الخير» أو هو «الإيمان كلّه» كما ورد في الأثر. و الحقّ أنّها خلاصة كاملة للتصوّر الإسلامي، و لمبادئ المنهج الإسلامي المتكامل، لا يستقيم بدونها إسلام.
و من ثمّ تعقّب الآية على من هذه صفاتهم بأنّهم: أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ.
أولئك الّذين صدقوا ربّهم في إسلامهم. صدقوا في إيمانهم و اعتقادهم، صدقوا في ترجمة هذا الإيمان و الاعتقاد في مدلولاته الواقعة في الحياة. و أولئك هم المتّقون الّذين يخشون ربّهم و يتّصلون به، و يؤدّون واجبهم له في حسّاسيّة و في إشفاق. و من ثمّ فإنّهم- و في ظلّ عناية اللّه- يحبرون إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ[١].
*** و الآن فلنعرض الروايات عن السلف بشأن الآية:
[٢/ ٤٣٩٥] أخرج عبد الرزّاق و ابن جرير عن قتادة قال: كانت اليهود تصلّي قبل المغرب و النصارى تصلّي قبل المشرق[٢].
و هكذا رواها عن أبي العالية و عن الربيع[٣].
[٢/ ٤٣٩٦] و أخرج عبد بن حميد و ابن جرير و ابن المنذر عن قتادة في قوله: لَيْسَ الْبِرَّ ...
الآية. قال: ذكر لنا أنّ رجلا سأل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن البرّ، فأنزل اللّه هذه الآية، فدعا الرجل فتلاها عليه، و قد كان الرجل قبل الفرائض إذا شهد أن لا إله إلّا اللّه و أنّ محمّدا عبده و رسوله، ثمّ مات على ذلك يرجى له في خير، فأنزل اللّه: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ و كانت
[١] فصّلت ٤١: ٣٠.
[٢] عبد الرزّاق ١: ٣٠٢/ ١٦٠؛ الطبري ٢: ١٢٨/ ٢٠٨١؛ الثعلبي ٢: ٤٩، نقلا عن الربيع و مقاتل بن حيّان أيضا.
[٣] الطبري ٢: ١٢٨/ ٢٠٨٣؛ ابن أبي حاتم ١: ٢٨٧/ ١٥٤١.