التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٥٢ - موضع العقل من الشريعة الغراء
إنّي وجدت كتاب اللّه قبل كتاب معاوية .. ثمّ نادى في الناس: أن اغدوا على غنائمكم، فأخذ الخمس و قسّم الباقي على المسلمين، ثمّ دعا اللّه أن يميته، فما جمع حتّى مات- رحمة اللّه عليه-[١].
قلت: و لعلّك- أيّها القارئ النبيه في غنى عن مقايسة موضع معاوية هذا الهابط، مع موضع الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام المتصاعد إلى قمّة الكمال! نعم، و كلّ إناء بالذي فيه ينضح!
هناك من الأئمّة، أئمّة هدى يهدون بأمره تعالى[٢]. و أئمّة ضلال يدعون إلى النار[٣]. قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا[٤].
موضع العقل من الشريعة الغرّاء
هناك عقد ثقة الإسلام محمّد بن يعقوب الكلينى بابا[٥]- في الكافي الشريف- جمع فيه غررا و دررا من كلام أئمّة أهل البيت عليهم السّلام تنبئك عن شرف العقل و منزلته الرفيعة في الشريعة الغرّاء، نذكر منها:
[٢/ ٤٢٩٩] روى بإسناده إلى محمّد بن مسلم عن الإمام أبي جعفر الباقر عليه السّلام قال: «لمّا خلق اللّه العقل استنطقه ثمّ قال له: أقبل فأقبل ثمّ قال له: أدبر فأدبر، ثمّ قال: و عزّتي و جلالي ما خلقت خلقا هو أحبّ إليّ منك، و لا أكملتك إلّا فيمن أحبّ، أما إنّي إيّاك آمر و إيّاك أنهى و إيّاك أعاقب و إيّاك أثيب».
تلك مسرحيّة تبدّى فيها موضع العقل من حياة الإنسان الدينيّة الكريمة، و قد كان العقل (القدرة على التفكير و الاستنتاج و الإبداع) هي ميزة الإنسان الّتي فصلته عن سائر الحيوان، و كانت هي ملاك التكليف و الاعتبار و الاختبار في حياة الإنسان الرفيعة أو الوضيعة. وَ نَفْسٍ وَ ما سَوَّاها. فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها. قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها. وَ قَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها[٦].
[١] شرح النهج لابن أبي الحديد ١١: ٣٢- ٣٧.
[٢] الأنبياء ٢٢: ٧٣.
[٣] القصص ٢٨: ٤١.
[٤] الإسراء ١٧: ٨٤.
[٥] كتاب العقل و الجهل من الكافي ١: ١٠- ٢٩.
[٦] الشمس ٩١: ٧- ١٠.