التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٥٠ - سورة البقرة(٢) آية ١٧١
فقال لهم الإمام: «إنّ يوسف كان نبيّا، يلبس أقبية الديباج المزرّرة بالذهب[١] و يجلس على متّكآت آل فرعون! ويحكم؛ إنّما يراد من الإمام قسطه و عدله؛ إذا قال صدق، و إذا حكم عدل، و إذا وعد أنجز. إنّ اللّه لم يحرّم لبوسا و لا مطعما. ثمّ قرأ: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ»[٢].
قال ابن أبي الحديد: و هذا الّذي ذكره الرضا عليه السّلام مخالف- في ظاهره- للقانون الّذي أشار إليه أمير المؤمنين- عليه صلوات المصلّين-!
لكنّه، نظرا لاختلاف الظروف و الأحوال، حاول الجمع بين الكلامين، قال: و للفلاسفة في هذا الباب كلام لا بأس به، و قد أشار إليه أبو عليّ بن سينا في كتاب «الإشارات». و عليه يتخرّج قولا أمير المؤمنين و عليّ بن موسى الرضا عليهما السّلام:
قال أبو عليّ- في مقامات العارفين-: العارفون قد يختلفون في الهمم بحسب ما يختلف فيهم الخواطر، على حسب ما يختلف عندهم من دواعي العبر. فربما استوى عند العارف القشف و الترف، بل ربما آثر القشف. و كذلك ربما سوّى عنده التّفل و العطر، بل ربما آثر التفل. و ذلك عند ما يكون الهاجس بباله، استحقار ما عدا الحقّ، و ربما صغا إلى الزينة و أحبّ من كلّ شيء عقيلته[٣] و كره الخداج و السّقط، و ذلك عند ما يعتبر عادته من صحبة الأحوال الظاهرة، فهو يرتاد إليها في كلّ شيء، لأنّه مزيّة خطوة من العناية الأولى، و أقرب أن يكون من قبيل ما عكف عليه بهواه. و قد يختلف هذا في عارفين، و قد يختلف في عارف بحسب وقتين[٤].
*** ثمّ ذكر ابن أبي الحديد نسخة أخرى لكلام الإمام أمير المؤمنين الآنف، قال:
[٢/ ٤٢٩٨] «و اعلم أنّ الّذي رويته عن الشيوخ و رأيته بخطّ عبد اللّه بن أحمد بن الخشّاب: أنّ الربيع بن زياد الحارثي أصابته نشّابة في جبينه فكانت تنتقض عليه في كلّ عام، فأتاه علي عليه السّلام عائدا، فقال: كيف تجدك أبا عبد الرحمن؟ قال: أجدني- يا أمير المؤمنين- لو كان لا يذهب ما بي إلّا بذهاب بصري لتمنّيت ذهابه. قال: و ما قيمة بصرك عندك؟ قال: لو كانت لي الدنيا لفديته بها!
[١] أي المطليّة أزرارها بالذهب.
[٢] الأعراف ٧: ٣٢.
[٣] العقيلة من كلّ شيء أكرمه و أغلاه.
[٤] شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١١: ٣٤- ٣٥.