التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٣٥ - سورة البقرة(٢) الآيات ١٦٨ الى ١٧١
قال تعالى:
[سورة البقرة (٢): الآيات ١٦٨ الى ١٧١]
يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَ لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَ الْفَحْشاءِ وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (١٦٩) وَ إِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَ لا يَهْتَدُونَ (١٧٠) وَ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعاءً وَ نِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ (١٧١)
و هنا يمضي السياق لترسيم منهج الحياة الكريمة، التمتّع بالحياة في شتّى أنحائها، لكن على قيد أن يكون على الوجه الطيّب الحلال، لا الوجهة الخبيثة الممنوعة في شريعة العقل الرشيد.
ففي هذه الآيات الكريمة بيان عام: أنّ ما خلقه اللّه على هذه البسيطة و جعله في متناول الإنسان، فهو من الحلال الذاتي في أصله، الأمر الّذي يدلّنا على أصالة الحلّيّة و أصل إباحة الأشياء، ما لم ينه عنه، و قد بحثنا عن هذا الأصل فيما سبق (ذيل الآية ٢٢) و استوفينا الكلام فيه حسب مباني علم الأصول.
[٢/ ٤٢٣٩] أخرج أحمد و النسائي عن عياض بن حمّاد، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: يقول اللّه تعالى: «إنّ كلّ مال منحته عبادي فهو لهم حلال»[١].
أمّا القيد، فهو الانتهاج على المنهج السويّ، من غير حياد عن جادّة الحقّ و العدل و الإنصاف ..
فليكن الانتهاج وفق ما ترسمه شريعة اللّه، لا ما يرسمه الشيطان و هوى النفس، و النفس أمّارة بالسوء، و باعثة على التعدّي و التجاوز بحقوق الآخرين، و ربما في تلوّ خبيث يرفقه التجديف على اللّه و الافتراء عليه، تبريرا لمواقفه السوء.
وَ من ثمّ إِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ أي ما رسمته شريعة اللّه قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أي نتّبع طريقة أسلافنا باعتبارهم قدوة للأخلاف، و هذا من التقليد الأعمى، بل محاولة
[١] مسند أحمد ٤: ١٦٢؛ النسائي ٥: ٢٦/ ٨٠٧٠.