التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٣٠ - سورة البقرة(٢) الآيات ١٦٥ الى ١٦٧
و كلّها شرك، خفيّ أو ظاهر، إذا ذكرت إلى جنب اسم اللّه، و إذا أشركها المرء في قلبه مع حبّ اللّه، فكيف إذا نزع حبّ اللّه من قلبه و أفرد هذه الأنداد بالحبّ الّذي لا يكون إلّا للّه.
نعم، إنّ المؤمنين لا يحبّون شيئا حبّهم للّه، لا أنفسهم و لا سواهم، لا أشخاصا و لا اعتبارات و لا شارات، و لا قيما من قيم هذه الأرض الّتي يجري وراءها غوغاء الناس:
وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ حيث نشأته من صميم الوجود، و عن تعمّق في التفكير الصحيح، و ليس عن تقليد أعمى، لا أساس له و لا جذور.
و التعبير هنا بالحبّ تعبير جدّ جميل، فوق أنّه تعبير صادق. فإنّ الصلة بين المؤمن و بين اللّه هي صلة الحبّ، صلة الوشيحة القلبيّة، و التجاذب الروحي العميق. ألا و هي صلة الوجدان المشدود بعاطفة الحبّ و الولاء الوثيق.
*** هذا من جانب، و أمّا جانب أولئك الّذين حادوا عن الطريقة المثلى و تاهوا في غياهب الضلالة و الردى، فإنّهم في تفتّت و انهيار و حسرة دائمة.
وَ لَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الحقّ و ظلموا أنفسهم بالحياد عن الفطرة إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ القاهرة لِلَّهِ جَمِيعاً لا شركاء و لا أنداد، وَ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ بالقهر عليهم و إبعادهم عن ساحة رحمته و عن شمول مغفرته.
و تلك الفضاحة و الّتي تعقبها فضاعة أوجبت تبرّأ الأتباع و المتبوعين لسوء المشهد و و عورة الموقف: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَ رَأَوُا الْعَذابَ وَ تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ و سقط ما بأيديهم.
نعم حينذاك لا خلّة و لا شفاعة و لا إمكان التخلّص بالحيل و المعاذير و غيرها من الأسباب الّتي كانوا يتداولونها قبل ذلك. وَ قالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً عودة[١] إلى الدنيا و إلى عيشة مشابهة لعيشتهم الأولى فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا! و بذلك تبدّى الحنق و الغيظ من التابعين الأغبياء، و تمنّوا لو كان بإمكانهم تدارك ما فات، و هيهات! كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَ ما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ.
[١] أخرج ابن جرير عن قتادة قال: رجعة إلى الدنيا. الطبري ٢: ١٠١/ ٢٠١٢.