التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠٩ - سورة البقرة(٢) الآيات ١٥٩ الى ١٦٢
قال تعالى:
[سورة البقرة (٢): الآيات ١٥٩ الى ١٦٢]
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ (١٥٩) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَ أَصْلَحُوا وَ بَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَ أَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ ماتُوا وَ هُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَ لا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)
و لقد كان أهل الكتاب يعرفون مدى ما في رسالة الإسلام من حقّ، و قد بيّنه اللّه فيما بأيديهم من كتاب. فهم و أمثالهم في أيّ فترة من زمان و في أيّ بقعة من مكان، ممّن يكتمون الحقّ الصراح، أو يسكتون عن الحقّ و هم يعرفونه أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ فإنّهم خبثاء جبناء، يرون مصالحهم في إخفاء الحقّ و إخماد الحقيقة، و من ثمّ فهم بعداء عن جادّة الشريعة البيضاء، محايدون عن صريح الفطرة و نداء العقل الرشيد. بل أعداء الإنسانيّة في شتّى مجالاتها، و من ثمّ فهم ملعونون منبوذون، يلفظهم الحقّ و تطردهم الحقيقة في واقعها الصريح.
نعم، الساكت عن الحقّ شيطان أخرس، فقد تحوّلوا إلى ملعنة ينصبّ عليهم اللعنة من كلّ صوب و يشملهم لعن كلّ لاعن.
و اللعن: الطرد في غضب و زجر. و أولئك يلعنهم اللّه فيطردهم من رحمته، و يطاردهم اللاعنون من كلّ جهة. فهم هكذا مطاردون من اللّه و من عباده في كلّ دور و كور.
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا رجعوا عن غيّهم وَ أَصْلَحُوا ما كانوا أفسدوه وَ بَيَّنُوا ما كانوا كتموه فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَ أَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، إنّها نافذة لهم مضيئة يفتحها اللّه لهم، فتنسم نسمة الأمل في الصدور و تقود القلوب إلى مصدر النور، فلا تيأس من روح اللّه و لا تقنط من رحمة اللّه. فمن شاء فليرجع إلى الحمى الآمن. و آية الصدق: التوبة و الإصلاح في العمل و التبيين في القول، و إعلان الحقّ و الاعتراف به و العمل بمقتضاه. ثمّ ليثق برحمة اللّه و قبوله للتوبة و هو يقول: وَ أَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ و هو أصدق القائلين.
فأمّا الّذين يصرّون على باطلهم و لا يؤبون إلى الحقّ، حتّى تفلت الفرصة و تنتهي المهلة،