التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١٧ - مظان الحاجة إلى الصبر
المحظورات فرض. و على المكاره نفل. و الصبر على الأذى المحظور محظور كمن تقطع يده أو يد ولده و هو يصبر عليه ساكتا. و كمن يقصد حريمه بشهوة محظورة فتهيج غيرته فيصبر عن إظهار الغيرة و يسكت على ما يجري على أهله. فهذا الصبر محرّم. و الصبر المكروه هو الصبر على أذى يناله بجهة مكروهة في الشرع فليكن الشرع محكّ الصبر. فكون الصبر نصف الإيمان لا ينبغي أن يخيّل إليك أنّ جميعه محمود، بل المراد به أنواع من الصبر مخصوصة.
مظانّ الحاجة إلى الصبر
اعلم أنّ جميع ما يلقى العبد في هذه الحياة لا يخلو من نوعين، أحدهما: هو الّذي يوافق هواه.
و الآخر: هو الّذي لا يوافقه بل يكرهه. و هو محتاج إلى الصبر في كلّ واحد منهما. و هو في جميع الأحوال لا يخلو عن أحد هذين النوعين أو عن كليهما. فهو إذن لا يستغنى قطّ عن الصبر.
النوع الأوّل: ما يوافق الهوى: و هو الصحّة و السلامة و المال و الجاه و كثرة العشيرة و اتّساع الأسباب و كثرة الأتباع و الأنصار و جميع ملاذّ الدنيا. و ما أحوج العبد إلى الصبر على هذه الأمور فإنّه إن لم يضبط نفسه عن الاسترسال و الركون إليها و الانهماك في ملاذّها المباحة منها، أخرجه ذلك إلى البطر و الطغيان، فإنّ الإنسان ليطغى أن رآه استغنى، حتّى قال بعض العارفين: البلاء يصبر عليه المؤمن، و العوافي لا يصبر عليها إلّا صدّيق. و قال سهل: الصبر على العافية أشدّ من الصبر على البلاء. و لمّا فتحت أبواب الدنيا على الصحابة رضي اللّه عنهم قالوا: ابتلينا بفتنة الضرّاء فصبرنا و ابتلينا بفتنة السرّاء فلم نصبر[١]، و لذلك حذّر اللّه عباده من فتنة المال و الزوج و الولد فقال تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَ لا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ[٢] و قال عز و جلّ: إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَ أَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ[٣].
[٢/ ٣٨٥٧] و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «الولد مبخلة مجبنة محزنة»[٤]. و لمّا نظر صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى ولده الحسن عليه السّلام يتعثّر في قميصه نزل عن المنبر و احتضنه، ثمّ قال: «صدق اللّه: إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَ أَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ[٥] إنّي لمّا
[١] انظر: الترمذي ٤: ٥٧؛ المصنّف، الصنعاني ١١: ٤٥٧/ ٢٠٩٩٧.
[٢] المنافقون ٦٣: ٩.
[٣] التغابن ٦٤: ١٤.
[٤] أبو يعلى ٢: ٣٠٥/ ٥٩- ١٠٣٢.
[٥] التغابن ٦٤: ١٥.