التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٣٣ - سورة البقرة(٢) آية ١٤٢
تركته إلى باطل، فإنّما يخالف الحقّ الباطل، أو باطلا كان ذلك. فقد كنت عليه طول هذه المدّة، فما يؤمننا أن تكون الآن على باطل!؟ فقال رسول اللّه: بل ذلك كان حقّا و هذا حقّ، يقول اللّه: قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ إذا عرف صلاحكم يا أيّها العباد في استقبال المشرق أمركم به، و إذا عرف صلاحكم في استقبال المغرب أمركم به، و إن عرف صلاحكم في غيرهما أمركم به، فلا تنكروا تدبير اللّه في عباده، و قصده إلى مصالحكم، ثمّ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: قد تركتم العمل يوم السبت، ثمّ عملتم بعده سائر الأيّام، ثمّ تركتموه في السبت ثمّ عملتم بعده، أ فتركتم الحقّ إلى الباطل و الباطل إلى حقّ أو الباطل إلى باطل أو الحقّ إلى حقّ؟ قولوا كيف شئتم، فهو قول محمّد و جوابه لكم. قالوا: بل ترك العمل في السبت حقّ، و العمل بعده حقّ، فقال رسول اللّه:
فكذلك قبلة بيت المقدس في وقته حقّ، ثمّ قبلة الكعبة في وقته حقّ. فقالوا: يا محمّد، أ فبدا لربّك فيما كان أمرك به بزعمك من الصلاة إلى بيت المقدس، حين نقلك إلى الكعبة؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:
ما بدا له عن ذلك، فإنّه العالم بالعواقب، و القادر على المصالح، لا يستدرك على نفسه غلطا، و لا يستحدث رأيا يخالف المتقدّم، جلّ عن ذلك، و لا يقع أيضا عليه مانع يمنعه عن مراده، و ليس يبدو إلّا لمن كان هذا وصفه، و هو عز و جلّ متعال عن هذه الصفات علوّا كبيرا. ثمّ قال لهم رسول اللّه: أيّها اليهود، أخبروني عن اللّه، أ ليس يمرض ثمّ يصحّ؟ و يصحّ ثمّ يمرض؟ أبدا له في ذلك؟ أ ليس يحيى و يميت؟ أ ليس يأتي بالليل في أثر النهار ثمّ بالنهار في أثر الليل؟ أبدا له في كلّ واحد من ذلك؟
قالوا: لا، قال: فكذلك اللّه تعبّد نبيّه محمّدا بالصلاة إلى الكعبة، بعد أن تعبّده بالصلاة إلى بيت المقدس، و ما بدا له في الأوّل. فكذلك تعبّدكم في وقت لصلاح يعلمه بشيء، ثمّ بعده في وقت آخر لصلاح آخر يعلمه بشيء آخر، فإذا أطعتم اللّه في الحالين استحققتم ثوابه، و أنزل اللّه: وَ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ[١] أي إذا توجّهتم بأمره، فثمّ الوجه الّذي تقصدون منه اللّه و تأملون ثوابه. ثمّ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: يا عباد اللّه، أنتم كالمرضى و اللّه ربّ العالمين كالطبيب، فصلاح المرضى فيما يعلمه الطبيب و يدبّره به، لا فيما يشتهيه المريض و يقترحه، ألا فسلّموا للّه أمره تكونوا من الفائزين. فقيل- خطابا لأبي محمّد عليه السّلام-: يا ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فلم أمر بالقبلة الأولى؟ فقال: لما قال اللّه عز و جلّ: وَ ما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها و هي بيت المقدس إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ
[١] البقرة ٢: ١١٥.