التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٧ - سورة البقرة(٢) الآيات ١٤٢ الى ١٥٢
ثمّ ما شأن أهل الكتاب و هذه القبلة الجديدة؟
وَ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ: يعلمون أنّ الكعبة هو أوّل بيت وضع للناس[١]. و كان إبراهيم- أبو الأنبياء- هو الّذي رفع قواعده.
و هو جدّ هذه الأمّة الوارثة، و يعلمون أنّه الأحقّ بالتوجّه إليه. و لكنّهم مع هذا، يتلهّجون بغير ما يوحيه هذا العلم الرشيد. إذن فما على المسلمين أن لا يبالوا بسفاسفهم المهرّجة، و هي لا تلوي على شيء. فاللّه هو الوكيل الكفيل بردّ مكرهم و كيدهم:
وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ.
إنّهم ليسوا بمن يقتنع بدليل و لا تخضعهم حجّة. حيث الّذي يعوزهم ليس هو الدليل. إنّما يعوزهم الإخلاص و التجرّد عن الهوى. و لم يكونوا على استعداد للتسليم للحقّ مهما كان واضحا لائحا:
وَ لَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ حجّة أو برهان قاطع ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ فهم في عناد و لجاج يقوده الهوى و يحدوه الغرض و تؤرثه المطامع[٢]. الأمر الّذي ليس يعالجه برهان و لا تفيده إقامة دليل!
وَ ما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ بعد وضوح البرهان.
وَ ما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ[٣] حيث العداء و المنافسة قائمة بينهم على أوار.
و من كان هذا شأنهم لا يحتشمون قريبا و لا بعيدا و هم على اختلاف دائم. فلا صلاحيّة لهم ليكونوا قدوة لغيرهم من الهادفين إلى السّلام. إذن فليس ينبغي لمسلم مستسلم للحقّ الصّراح أن يتّبع آثار من وجدهم على مثل هذا التنافر و الشقاق.
وَ لَئِنِ اتَّبَعْتَ خطاب لمن استمع هذا المقال أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ، إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ الّذين انحرفت بهم الأهواء فتاهوا في غياهب الضلال.
فليس للمسلم الواعي أن يدع العلم المستيقن إلى الهوى المتقلّب. و ما ذا بعد الحقّ إلّا الضلال.
و من شدّة هذا اللحن الصارم نلمح أنّه كانت هناك حالة واقعة من بعض المسلمين؛ غمرتهم
[١] آل عمران ٣: ٩٦.
[٢] أي توقد لهبه المطامع.
[٣] حيث النصارى تتّجه إلى المشرق و اليهود إلى بيت المقدس.( آلاء الرحمن ١: ١٣٧).