مفتاح الهداية في شرح تحرير الوسيلة (القضاء) - المقتدائي، الشيخ مرتضى - الصفحة ١٩٢ - القول الثاني عدم جواز العمل بالعلم للقاضي مطلقاً
التفصيل بين العلم الحسّي و الحدسي
قد يقال: أنّه يجوز للقاضي أن يستند إلى العلم الحسّي أو القريب بالحسّ، وهو طريق إثباتي للقضاء دون العلم الحدسي و ذلك لأمرين.
الأمر الأوّل: ما يستفاد من صحيحة سليمان بن خالد، عن أبي عبدالله (ع) قال: «في كتاب علي (ع) أنّ نبيّاً من الأنبياء شكا إلى ربّه فقال: يا ربّ كيف أقضي فيما لم أر ولم أشهد؟ قال: فأوحى الله إليه أحكم بينهم بكتابي، وأضفهم إلى اسمي، فحلّفهم به، وقال: هذا لمن لم تقم له بيّنة»[١].
بتقريب: أنّ المفهوم من كلام النبي من قوله: «كيف أقضي فيما لم أره» أنّ جواز القضاء بالعلم كان مفروغاً عنه، وحيرته وشكايته كان عمّا ليس له علم، فلو لم يمكن هذا المفهوم مورداً للتصديق فلا بدّ لله (سبحانه و تعالى) من ردّه ولكنّه (سبحانه و تعالى) سكت عنه وهذا السكوت إمضاء لما يفهم من كلامه ثمّ جعل له الطريق في غير مورد العلم وهو الحكم بالبيّنات واليمين. ولكن العلم المشار إليه في صريح كلامه هو العلم الحاصل من طريق الرؤية، يعني الحسّي الخاصّ ولما لم يكن للرؤية خصوصية يتعدّى منه إلى العلم الحسّي المطلق، أي الحاصل من الحواسّ ولم يكن للحواسّ أيضاً خصوصية، بل العمدة أن يكون من الحسّ- بلا واسطة كان أو مع الواسطة- فيتعدّى منه إلى علم الحاصل من مبادي الحسّية أيضاً، فالعلم الحسّي والقريب من الحسّ، يكون مورداً للسكوت الإمضائي ويبقى غيره- أي العلم الحدسي- تحت عدم الحجّية وعدم جواز الاستناد إليه، وإذا ثبت حجّية العلم الحسّي أو ما يقرب منه وجواز استناد القاضي إليه دون الحدسي، فيقيد بها جميع
[١]. وسائل الشيعة ٢٢٩: ٢٧، كتاب القضاء، أبواب كيفية الحكم، الباب ٢، الحديث ١.