الطّلاق (التعليقة على تحرير الوسيلة) - الصانعي، الشيخ يوسف - الصفحة ١٧٤ - توهم ودفع
ناسخة لتلك الآية فلا يقتل حرٌّ بعبدٍ ولا رجلٌ بمرأة»[١].
ولقد أجاد فيما أفاد من عدم المنافاة بين الآيتين أصلًا، فإنّ الموضوع في سورة البقرة القصاص والردّ بالمثل بعين ما في سورة المائدة مع الاختلاف في العموميّة وفي بيان المصاديق المحتاجة إلى التفسير، فالظاهر من آية البقرة بيان مصاديق المماثلة؛ لأنّه لا يتعدّى في الردّ ويقتلَ الحُرّ غير القاتل بالعبد المقتول مثلًا- بل يقتل الحُرّ القاتل بالحُرّ المقتول- أو يُقتلَ العبدُ غير القاتل بالحُرّ المقتول.
فالآية ناظرة إلى رفع الأوهام والخرافات الشائعة في الجاهلية في أمر القصاص، كحكمهم بلزوم قتل حرٍّ غير قاتل بعبد مقتول لما كانوا يرون لعبدهم قيمة وشخصية لا يقابلها إلّاالحرّ من طائفة القاتل، أو قصاص عبدٍ غير قاتل بحرٍّ مقتول لما كانوا يرون للحرّ المقتول نقيصة في الشخصيّة الطائفيّة والاجتماعيّة، وكذلك الأمر في «الأُنْثَى بالأُنْثَى».
ويشهد لذلك ما في شأن نزوله في «زبدة البيان»: «وأ مّا سبب النزول، فالظاهر منه أنّ المقصود نفي تفاضل إحدى الحيّين على الآخر كما كان مرادهم، والمفهوم من قولهم: (كان لأحدهما طول)، ومن قولهم: (لنقتلنّ الحرّ منكم بعبد منّا)، وكذا (من الذكر بالأنثى)، وقولهم: (والاثنين بواحد) كما نقله في «الكشّاف» بعد قوله: «بِالْأُنثَى»، وقال في «مجمع البيان»[٢]: وأقسموا لنقتلنّ بالعبد منّا الحرّ منهم، وبالمرأة منّا الرجل منهم، وبالرجل منّا الرجلين منهم»[٣].
وبالجملة: إنّ الموضوع في آية البقرة هو القصاص والردّ بالمثل، ومن
[١]- الميزان في تفسير القرآن ١: ٤٤١.
[٢]- مجمع البيان ٢: ٢٦٥.
[٣]- زبدة البيان: ٦٧١.