كتاب الوقف (دليل تحرير الوسيلة للإمام الخميني) - السيفي المازندراني، الشيخ علي أكبر - الصفحة ٤١١ - حكم ما لو انتفت المصلحة الموقوف عليها
فإذا لم يمكن الصرف في المصلحة الخاصّة، لا دليل على تعلّق قصد الواقف على مصلحة اخرى قربية بخصوصها.
ومقتضى الأصل عند الشكّ عدمه. فلا لزوم للاحتياط، إلّاعلى وجه الحُسن والاستحباب، كما هو ظاهر السيّد الماتن.
هذا، مع أنّ في الوقف على الجهات- بل مطلق الأوقاف العامّة- يرجع الموقوف عليه في الحقيقة إلى مصالح المسلمين بقصد القربة، فهاتان الخصوصيتان إذا تحقّقتا يتحقّق روح مراد الواقف ومقصوده الأصلي، كما يظهر ذلك من ذيل كلام العَلَم المزبور. والواقف وإن قصد المصلحة الخاصّة، لكنّه إذا تعذّرت وانتفت، يبقى وجه القربة على اعتباره، بلا فرق بين سائر المصالح العامّة.
نعم، يأتي إشكال في الوقف الخاصّ. ولكن ما ورد في الشرع في نظائر ذلك- من الأمر بالصرف في وجوه البرّ وذهاب المشهور إلى ذلك- كافيان لإثبات المطلوب، مع عدم قابليتها للرجوع إلى الواقف بغير دليل، بعد الخروج عن ملكه، كما قال في جامع المقاصد، وقد سبق نقل كلامه آنفاً.
ونظيره ما جاء في كلام صاحب الحدائق[١]. فإنّه قدس سره بعد الإشارة إلى النصوص
[١] - قال قدس سره: لا يخفى أنّ المسألة المذكورة وإن كانت غير منصوصة على الخصوص، إلّاأنّ لهانظائر في الشرع عديدة قد ورد الحكم فيها بما ذكره الأصحاب، ويرجع الجميع إلى أنّه مع تعذّر ما عيّنه المالك من وصيّة أو نذر أو نحو ذلك، ممّا يجب إنفاذه شرعاً، فإنّه مع تعذّر المصرف المخصوص يصرف في وجوه البرّ، ولا يرجع إلى الورثة، وإن خالف فيه بعض الأصحاب كما هنا، فأوجب ردّه إلى الورثة مع تعذّر المصرف، إلّاأنّه محجوج بالأخبار الدالّة على ما ذكرناه، فمن ذلك ما لو أوصى بأبواب عديدة من الوصايا فنسي باباً أو أبواباً، فإنّه يصرف في وجوه البرّ كما رواه المشايخ الثلاثة عن محمّد بن الريان: أنّه كتب إلى أبي الحسن محمّد بن علي عليهما السلام يسأله عن إنسان أوصى بوصية، فلم يحفظ الوصي إلّاباباً واحداً منها كيف يصنع في الباقي؟ فوقّع عليه السلام:« الأبواب الباقية يجعلها في البرّ ...»( أ) ومن ذلك ما رووه عن علي بن يزيد صاحب السابري عن أبي عبداللَّه عليه السلام في حديث طويل يتضمّن أنّه أوصى رجل بتركته إلى علي المذكور، وأمره أن يحجّ بها عنه، قال: فنظرت فإذا هو شيء يسير لا يكفي للحجّ، فسألت الفقهاء من أهل الكوفة فقالوا: تصدّق بها عنه، فتصدّق به ثمّ لقي بعد ذلك أبا عبداللَّه عليه السلام فسأله وأخبره بما فعل، فقال:« إن كان لا يبلغ أن يحجّ به من مكّة فليس عليك ضمان وإن كان يبلغ ما[ أن] يحجّ به من مكّة فأنت ضامن»( ب)، والتقريب فيه أنّه قرّره على الصدقة إذا لم يبلغ الحجّ به من مكّة، ولم يحكم بكونه ميراثاً.
وفي جملة وافرة من الأخبار ما يدلّ على أنّ ما أوصى به بالكعبة أو كان هدياً لها أو نذراً فإنّه يباع إن كان جارية ونحوها، وإن كان دراهم فإنّه يصرف في المنقطعين من زوّارها، معلّلين عليهم السلام ذلك بأنّ الكعبة لا تأكل ولا تشرب، فيصرف ذلك إلى المحتاجين من زوّارها( ج)، وهو مؤيّد لذلك. وقد تقدّمت الأخبار المشار إليها في آخر جلد كتاب الحجّ». راجع: الحدائق الناضرة ٢٢: ٢١٨- ٢١٩.
( أ)- وسائل الشيعة ١٩: ٣٩٣، كتاب الوصايا، الباب ٦٢، الحديث ١.
( ب)- وسائل الشيعة ١٩: ٤٢١، كتاب الوصايا، الباب ٨٧، الحديث ١.
( ج)- الكافي ٤: ٢٤٢/ ٢ و ٣.