محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٩٠ - الخطبة الثانية
الفكر، وعطاء في الروح، وسموا في الذات، وصلابة في الموقف، وقدرة على المقاومة الصلبة.
مدارس من ميزتها أنها لا تغلق أبوابها ولا يوما واحداً، وهي تتلقى الملايين من الناس على مختلف مستوياتهم لتصنعهم صنعا جديدا على خط الله، تلاميذها الفلاسفة، والفقهاء، وصنّاع الفكر، والفلاح، والعامل، والشيخ الطاعن في العمر، والطفل والصبي الذي لم يفارق زمن الرضاع بكثير. مدرسة هي القرآن، وهي الإٍسلام الذي يجد من داخل ذات الإنسان المفطورة على حب الله والحق والعدل ما يستنطقه وما يستثيره وما يدخل إلى النفس بصناعة جديدة قوية من خلاله.
نعم، تجد على عتبات الأئمة عليهم السلام عباقرة الفكر يستعطون، ويسترفدون، ويتربون، ويصنعون ذواتهم على خط أئمة أهل البيت عليهم السلام الذي لا يقف بأحد عندهم عليهم السلام، إنما يتجاوز بالناس كل الناس دائما إلى الله سبحانه وتعالى. دروس تلك المدارس دروس فكر، وهي بالدرجة الأولى دروس روح، دروس تختصر الطريق إلى الله، لا تمرّ بك عبر مجادلات الفلاسفة وإنما ترفع عن روح الإنسان الرّين لتجد الروح نفسها عارفة بالله، طيّعة له، سائرة على طريقه.
من أراد فكرا قويما، وروحا سامية، وضميرا طاهراً، وإرادة صلبة فليرحل إلى أضرحة الأئمة عليهم السلام وهو يستهدف أن يصنع نفسه، متهيّأً بقلب متعطّش، وروح متفتّحة على عطاءات الأئمة عليهم السلام، على التأمُّل فيما آل إليه أمرهم وأمر أعدائهم، ليعرف أنّ الحقّ أبقى، وليعرف أنّ مشاغبات طريق الله لا تقطع هذا الطريق، وأن الذين أخلصوا لله لا تتخلى عنهم عناية الله حتى من بعد الوفاة، ويبقون يُعطون لينضاف إلى حسناتهم حسنات، حتى لا ندري أن حسنات المعصوم عليه السلام في حياته تتدفق بصورة أربى أم هي بعد وفاه، وإن كان التأسيس لها حال جهاد.