محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٦١ - الخطبة الأولى
الفراغ وقت من العمر واقعا ومسؤولية، وهو خارج العمر، ضائع منه استثمارا ونفعا وبناء ومكسبا. إنه رصيد من الزمن المتاح لنا نعبث به ونهدره ساعة نحن فيه، ولكن نواجه حسابه وحسرته بعد حين، إنه وقت يمرّ على المرء خاليا من الإنتاج للدنيا وللآخرة ليعقب أسفا وندامة تقطّع قلب صاحبه.
وإذا كان معنى الحياة في الحركة بما ينفع فالفراغ بما هو عدم لهذه الحركة موت، والفارغ ميّت بالمعنى الأعمق للحياة، وإن الأموات ممن أُخذ أو يؤخذ للمقابر قد انقطعت مسؤوليتهم، أما الأموات فراغا فيتحملون المسؤولية، وحتى لا نكون أمواتا مع تحمل المسؤولية علينا أن نعرف كيف نملأ فراغ الوقت بما يبني ويجدي، ونحن لا نعرف كيف نحيا، وكيف نتذوق الحياة ونشعر بلذتها حتى نعرف كيف نستثمر الوقت في بناء الذات والأوضاع الصحيحة للحياة، ومن دون هذا الاستثمار نكون فاقدين لسمة الأحياء وفن الحياة.
وعن الفراغ كذلك، إنه حالة موحشة ولذلك تفرُّ منها النفس بالعبث واللهو والنوم، وتحاول التخلص من سأمة الفراغ بهذا اللون من النشاط الفاشل، أوالنوم الزائد على الحاجة وهو فراغ وزيادة، إذ هو موت على موت، أما ما كان منه للصحة واستعادة الحيوية والنشاط المجدي مما يعطي وقت اليقظة معنى الحياة حيث يكون جدا أكثر في الخير وسعيا أثمر للنفع والإعمار فهو مقدمة لما هو حقيقة الحياة.
وإذا كان للإنسان من حياته ما عمل من خير، وما أتى من صالح العمل فإن صاحب المائة من العمر إنما له لو قضى من هذا العمر تسعين سنة نوما وفراغا عشر سنوات فحسب إذا كان قد أمضاها في العمل الصالح، والتسعون عمر ضائع إلا ما كان عونا على هذا العمل، وعلى المرء وزر ما ضيّع من فرض واجب باستسلامه للفراغ وخلوده للكسل.